في زاوية شارع النجوم، حيث تتقاطع رائحة الورد مع صخب السيارات، يقبع مطعمي الصغير كحارس أمين لذكريات الناس. فوق الباب الخشبي لافتة تحمل اسم (مطعم الحكايات)، مع ملاحظة صغيرة بجانب الباب كتبتها قبل عشرين عامًا (إذا كانت جيوبك خاوية، فلا بأس أن تدفع ثمن طبقك بقصة).
أنا ياقوت، ابن الخامسة والخمسين، أدير هذا المطعم المتواضع الذي ورثته عن أبي. لم أكن بارعًا في دراستي، لطالما كرهت أسلوب التعليم وأجده غير منطقي بتاتًا؛ أعني كيف لحبرٍ على ورق أن يقيّم مهاراتي وقدراتي في حين أن علماء الأعصاب إلى الآن لم يفهموا كيف يعمل الدماغ بشكلٍ كاملٍ، لذا قررتُ أن أكون بجانب أبي في المطعم، بطاولاته الخشبية القديمة وكراسيه التي تئن بحكايات من جلسَ عليها.
لم أجدد طرازه أبدًا، ليس لأن النقود تعوزني بل لأنّي أريد لكل من يدخله أن يشعر بفرق الزمان منذ أول خطوة تعبر العتبة. ترى على الجدران صورًا لسياراتٍ قديمة كانت تجوب شوارع المدينة أيام أبي، وآلة موسيقية تعمل على الأقراص الأسطوانية، مازلت أشغلها أحياناً عندما تغشاني نوبات الحنين، وتلفازًا عتيقًا بالكاد يلتقط قناة أو اثنين، ولكن لا أحد يأتي لمطعمي لمشاهدة التلفاز على كل حال.
-1-
في الركن البعيد، خزانة زجاجية بداخلها أول دفتر استخدمته لتدوين حكايات الزبائن؛ حين كانت الفكرة مجرد همسة في رأسي قبل أن تتحول إلى القصة بأكملها.
أريدك أن تخرج هنا من ضجة العالم وتقدمه السريع، أن تنسى للحظة هاتفك الذكي ومواعيدك المؤجلة. أريدك أن تشم رائحة القهوة التركية على الفحم، وصوت صفير البخار المتصاعد من إبريق الشاي النحاسي، وطقطقة الخشب في المدفئة القديمة أيام الشتاء.
لكن الأهم، أن بقاء مطعمي على هذه الشاكلة يتناسب مع فكرتي الأساسية، فهذه الذكريات كانت أيامًا عاشوها قبل أن تصبح... ذكريات، وأيضًا ذكريات الزبائن هي جزء من الديكور.
انظر حولك؛ تلك الطاولة رقم 7 (طاولة العشاق)، كم من قصص حب بدأت وانتهت عليها. ذلك الكرسي قرب النافذة، اعتادت الجلوس عليه معلمة كل ثلاثاء تحكي عن تلاميذها. وحتى السقف الخشبي، كم من مرة رفعتُ رأسي إليه لأخفي دمعةً وأنا أستمع إلى حكاية ثقيلة.
والغريب أن الناس أصبحوا يأتون من أحياءٍ بعيدة، لا لجودة طعامي فقط -رغم أنه لا أحداً يجيد تحضير ورق العنب مثلي- بل ليشاركوا بحكاياتهم.
-2-
صار المطعم أشبه بكنيسةٍ صغيرة، أو محطة قطار، أو ربما صدر أمٍ حنون. والناس يا صديقي، مهما اختلفوا، يشتركون في شيءٍ واحد، كل واحدٍ منهم يحمل حكاية تبحث عن أذنٍ تصغي. أما أنا، فتعلمتُ على مر السنين أن أستمع أكثر مما أتكلم؛ فالحكايات كالنبيذ، بعضها يؤلم عندما تعصره، وبعضها يسكرك، والقليل منها فقط يشفيك. ودوري في هذه الحياة، كما أرى، هو أن أكون الطباخ الذي يقدم الحكايات مع الطعام، وأحيانًا بالنيابة عن الطعام.
لستُ كاتبًا، ولا حكيمًا، ولا معالجًا نفسيًا؛ أنا فقط ياقوت، صاحب مطعمٍ صغير في زاوية شارع النجوم. لكنّي أؤمن أن كل إنسانٍ يستحق وجبةً دافئة وأذناً صاغية.
وهذا بالضبط ما أحاول فعله منذ عشرين عامًا.
والآن، دعني أسألك: هل جئت لتأكل فقط، أم أن جيوبك خاويك وتحمل حكاية تنتظر من يسمعها؟
***