أين أنا؟!
لقد سرت كثيرا... لا أتذكر مكان المجيئ... ولا مقصد الطريق... لا شيئ سوى ذلك الرجل الذي كان يحدثني قبل وصولي إلى هنا؛ لا أتذكر شكله بالتحديد؛ لكن أتذكر بعضا من حديثه لي؛ كان يخبرني بأن كل شيئ سيكون بخير، مادمت سأطيعه...
والآن، وقد أطعته... أنا في طريق طويل؛ يحيطه الظلام من كل اتجاه، أسير فيه طويلا... لا نهاية له؛ لقد تعبت من كثرة المسير؛ لابد لي من أن أستريح؛ ولكن هل لي من راحة بعدما اطعته، وسرت في طريقه؟
- استيقظ أيها الوغد، ألا زلت نائما!
من... من الذي يحدثني؟
- لقد رميت بنفسك إلى مهلكك، أتعلم ما فعلت؟
لا... لا أتذكر شيئ أبدا... لا أتذكر حقا
كنت مغمض العينين؛ فقام أحدهم بإزالة رباط أسود عن مرمى بصري؛ نظرت؛ لأفهم ما يدور حولي؛ فوجدت نفسي في محاكمة، مقيد اليدين، حولي أناس يشبهون البشر؛ لكن ليس تماما؛ فلهم صفات غريبة، نظرت لمن ظننته كبيرهم أو بالأحرى قاضى المحاكمة، والذي بدأ في الحديث:
- إذن، أنت تخبرنا بأنك لا تتذكر جرائمك تجاه الباطنيين، أليس كذلك!
باطنيون؟! أي باطنيون تحدثني عنهم، أنا لا أتذكر اسمي على الأقل
لم يأبه أحدا منهم بتصديقي؛ فقام كبيرهم بإصدار حكمه علي:
- حكمنا عليك بالنفي، وألا تعود حتى تأتي لنا برأس "دم حم"
ومن ذلك أيضا، فليخبرني أحدكم بذنبي؛ الذي يبدو أنني ارتكبته في حقكم، هل تنفون شخص لا يتذكر جريمته؟!
صمت القاضي قليلا، ثم أشار لأحد معاونيه بالتحدث:
لقد أتيت إلينا وحسبناك واحدا منا؛ لكن قمت بخيانتنا، وطعنت من منحك فرصة أن تكون حاكم الباطنيين، لقد اتبعت من انشق عنا؛ فبت ذراعه التي يعيث بها في الأرض الفساد؛ فأضللتما، وقتلتما، ولم تريدا صلاحا أبدا، والآن ستنفى إلى أرض السافلين؛ أنت ومن تبعك من بني جنسك، ارموه فورا في حفرة السواد
لا، لا أعلم شيئا عما تقول، فكوا صراحي، اتركوني وشأني... أنا لا أعرفكم
قام الحراس بسحبي نحو مكان يشبه البئر، نظرت داخله لأرى ما فيه؛ فلم أجد غير السواد، إنه اسم على مسمى، قام حارس بتقييد حركتي، وقام الآخر بقذفي داخل البئر؛ ظللت أهبط، وأهبط، وأهبط، حتى خلت أن ليس للبئر نهاية؛ لكن على عكس ما ظننت؛ ارتطم جسدي بقوة على الأرض حتى فقدت وعي...
ولما أفقت، وجدتني ملقا على جانبي وسط جزيرة كبيرة، ممزق الملابس، جريح الرأس؛ فحاولت النهوض لأبحث عن مساعدة؛ لكن كان أثر السقوط يمنعني من الحركة بسرعة أكبر؛ فسرت ممسكا بعصا متآكلة؛ لم تحملني إلا لبضع خطوات، ثم انكسرت؛ فعدت ملقا على حالتي الأولى، بدأ جسدي في الشحوب يوما بعد الآخر، وبدأت في الشعور بالجوع الشديد، ظللت على هكذا حالة بضعة أسابيع؛ حتى مساء إحدى الليالي، كنت مختبا خلف شجرة بعدما بدأت أسمع أصوات غريبة؛ تشبه عويل الذئاب...
كان ليل الجزيرة مكحلا؛ كأنما سرق أحدهم ضوء القمر... بدأت أسمع أصوات أقدام متجهة إلي، وسمعت صوتا يهمس في أذني:
- لقد جئت من أجلك، فقط اتبعني
وفجأة قام شخص بإشعال نيران فأضاءت المكان من حولي، قمت بفتح جفنوي التي جفت وأصبحت كالحجر؛ فرأيت رجلا مسنا يمسك في يده عصا خشبية قام بإشعالها، وفي يده الأخرى دورقا به ماء قام بسكبه على وجهي، ومن ثم منحني بعضا منه لأشربه، وبعضا من التمر لآكله، وحملني على حمار كان قد اتى به...
سرنا في طريق طويل، حتى وصلنا مكان يشبه الكهف، دخل الرجل إليه وأشعل النيران، بعد ذلك قام بإحضار بعض أوراق الشجر وقام بربطها حول رأسي وساقايا المجروحتين، نظرت إلى وجهه؛ فوجدته مبتسما؛ يبدو أنه رجل طيب حقا
بدأ في أول حديثه قائلا:
- حمدا على سلامتك يا بني، ما الذي أصابك؟
قصصت له ما مررت به؛ فأصيب بالتعجب، وقال:
- إنه حقا أمر غريب؛ لكن لا تقلق فقد نجاك الله من بين أيديهم، أتعرف أنك محظوظ بالرغم مما حدث لك
لماذا؟!
- لقد نقلك البئر إلى النصف الشرقي من جزيرتنا؛ وهو النصف الذي لا زال لم يغط بالظلام، كحال نصفها الغربي
يتبع