Ariatoon Logo
    الفصل0الخميس، ٢٤ يوليو ٢٠٢٥

    مقدمة: عن أي شمس تتحدث؟


    مع كل خطوةٍ تغوصُ فيها قدمايَ في الثلج، ومع كل لحظةٍ تؤلماني فيها حتى أكادُ أسقطُ في عُمقهِ وعَطفهِ الخادع، تمتدُّ إليَّ الذكريات، وكأنَّ بياضهُ النقيَّ لا يختلفُ عن نقائِها ولُطفِها. لا يختلفُ الثلجُ عنها في الواقع، كلاهُما يبدو حنونًا من بعيد، ولكن عندما تقتربُ منهُما، أو تبتعدُ بشدة، تشعرُ بالنورِ يتلاشى من حولك، وربما تفقدُ ذاتُكَ نورَكَ كلما اقتربتَ أكثر، يختفي، يتلاشى، وينعكسُ بعيدًا. تودُّ أن تُعانقهُ ولا تُفارقهُ، لكنكَ تُضطَرُّ إلى مخالفة فِعلِ ذلك إن أردتَ أن تُقاومَ وَهمَ الخلاصِ ولذّتهِ، إن أردتَ حقًا أن تعيشَ حياتَكَ.

    رملٌ مُعسَّلٌ خطونا فوقهُ سابقًا، ورُكامٌ فنيٌّ لمدينةٍ لم يعد لها عُنوان، وصولًا إلى حُلمٍ وأملٍ مَنَحني إياهُ شخصٌ آمنتُ أنهُ سيُغيِّرُ ملامحَ هذه القصة، وشعرتُ أنهُ، كما كان دومًا، يعلمُ كلَّ شيء، وبدا شديدَ الثقةِ حينها بأنهُ يملكُ خُطةً مُحكَمة، لكنه صدمني أولًا بقُنبلةٍ عندما رأيتُ السفينةَ بلا سفينةٍ وبلا رُكَّابِها، ثم مرةً أخرى عندما لم يُجبْ أحدٌ ضوئي عدا الشتاء. برفقة أولِ ندفةِ ثلجٍ سقطت علي من السماء، أدركتُ أنَّ هذه القصة، أنَّ هذا اليومَ المُلقَّبَ بالسابع فيها، لن يختلفَ البتةَ عن سابقيه، لن يكونَ هناك عودة، النجاةُ ستبقى أسمى أمانينا، وهي بحاجةٍ إلى مُعجزةٍ لكي تتحقق. وسنشهدُ سقوطًا يتبعهُ آخر، كارثةً وأخرى، حتى يكونَ الختامُ بنا مُستسلمينَ في مكانٍ ما بين أنقاضِ هذه الأرض.

    وكيفَ لي أن أكونَ متأكدةً مِن وقوعِ ذلك إلى هذا الحد؟ كيف وكلُّ ما حصلَ حتى الآن، كلُّ تلك الأحداثِ المتلاحقة، بَشرتي، أطرافي، عيني، أُذني، والعالمُ بأكملهِ من حولي الذي تركتِينا فيهِ يا أُمَّنا، إن كنتِ تسمعينَ خِطابي، والعلاماتُ التي كنتُ أراها والتي تُمثِّلُ حُبَّكِ لنا، ومُطاردةُ وَهمِ العودة، وخُطوطُ الطيرانِ المليئةُ ببقايا الآلاتِ التي لن نعرفَ طريقةَ استخدامِها، لم تسمحْ لي كلُّها إلا بأن أقول: اُنظري يا أُمَّنا، إن كنتِ تستطيعينَ رؤيتنا من خلالِ الغيومِ في الأعلى، وسطَ هذه العَتَمةِ التي لا تنجلي مهما مرَّ من أيام، وسطَ حالةِ قُلوبِنا التي بالكادِ يُمكننا التنفُّسُ بسببها حتى أصبحَ أقصى ما نُواسي بهِ بعضَنا بعضًا هو أننا، على الأقل، ما زلنا نتنفسُ حتى اليوم. اُنظري، إننا نعيشُ حياتنا، أيامَنا، نُغنّي بينما نسيرُ فوقَ بساطِ الأرضِ الأبيضِ أُنشودَتَنا القديمة، والعودةُ، كما أتخيَّلُها، ستستغرقُ ملايينَ السنين، حتى إن عِشنا كلَّ تلك المُدَّة، ونَجَونا بمُعجزة، أنا لا أعتقدُ أننا سنعودُ إليكِ أبدًا.

    العودةُ لم تعدْ خيارًا مطروحًا بالنسبة إلي، أو ربما لم تكن كذلك منذ البداية، فكيف لأربعةِ أرواح ممزقةٍ ضائعة وسط عجائب هذه الجنة، وأنفسهنَّ الآن، أن تجتازَ فراغًا لم تستطعْ مئة نجمةً كاملةً عبوره في بداية رحلتنا؟ لقد رأينا حقيقةَ الهشاشةِ هنا، حقيقتنا، وحقيقةَ الوهمِ الذي عِشنا فيه طويلًا، لم نعدْ نحملُ نفسَ الأملِ الساذجِ الذي غادرنا به، ولا نفسَ الثقةِ العمياءِ التي تحطمتْ مع أولِ ارتطام، نحنُ الآن نُدركُ الثمن، نُدركُ أنَّ بعضَ الرحلاتِ لا عودةَ منها مهما حاولنا، وأنَّ الضوءَ الذي نَرجوهُ قد يكونُ أبعدَ وأقسى مما نتخيَّل. لقد تغيرنا، يا أُمَّنا، تغيرنا للحدِّ الذي يجعلُ العودةَ إليكِ أشبهَ بالعودةِ إلى زمنٍ لم نعدْ ننتمي إليه، أو إلى حُلمٍ لم نعدْ نجرؤ حتى على تصديقه. نحنُ لم نجدْ الإجاباتِ التي كنا نتوقُ إليها فحسب، بل اكتشفنا ما هو أعمق، فمعَ قصصِ هذا العالمِ أدركنا، ووجدنا في أنفسِنا، كم نحنُ في الحقيقةِ أقربُ إلى البشر بضعفِنا وجهلِنا، بفيضِ مشاعرِنا وتقلُّبِ أفكارِنا، وحتى بتركيبِنا وصوتِنا وكلامِنا، منكِ، يا أمنا الشمس.

    > هذا العمل ليس قائمًا بذاته وإنما جزء ثاني لاستكمال أحداث رواية عن أي نجوم تتحدث؟

    > تنويه هام: هذه القصة هي من نسج الخيال. كافة أسماء الشخصيات والمنظمات وما شابه وهمية. لا صلة للقصة بأي وقائع حقيقية قد تتشابه حدثت أو قد تحدث في لحظة ما.

    مقدمة: عن أي شمس تتحدث؟
    التعليقات
    تحميل...