Ariatoon Logo
    الفصل0الثلاثاء، ٢ ديسمبر ٢٠٢٥

    يقال إن الركض هو الغريزة الوحيدة التي لا يستطيع الإنسان التخلي عنها.
    إننا نركض للنجاة، نركض هربًا من ذنوبنا، نركض لننقذ من نحب أو لِنَفِرَّ من أنفسنا. قد لا ندري لما نركض..كل ما نعلمه هو: أننا إن توقفنا، فسنواجه ما نخشاه.


    أمّا هذه المرة، فكلاهما كان يركض ليصنع النهاية.

    على يسارهما مبنى كُتب على واجهته "المبنى. 109"، تجاوزاه في صمت متَّجهين نحو الطريق الغربي.

    أعينهما تحوم بين المشاة، أنفاسهما مرتفعة، وعرق يلمع على جبينيهما رغم برودة الجو. ركضا بسرعة لدرجة أن الضجيج من حولهما أصبح مجرد سكينة. بِرؤيتهما لن تستطيع الجزم ، هل كانا الطريدة أم الصياد؟ إذ لا فرق بين الاثنين عندما يحين وقت الركض.
    أضواء "النيون" التي تغلف شيبويا جعلت تلك الليلة واضحة كنهار عارٍ، ومن الأعلى راقبهما القمر المكتمل في صمت بارد. ارتطام الأحذية الجلدية على الأرض الرطبة تزامن مع صيحات المارة واحتكاك الأكتاف.

    سقط أحدهما، ولكنه نهض بشكل غير مبالٍ ليندفع مكملًا ركضه، وكأنه جزء من الإيقاع.
    بينما كان الشرطي الآخر ممسكًا بهاتفه ويستمع لتعليمات الرجل على الطرف الآخر:
    "أنتما على بُعد عشرات الأمتار. بقية الفرق ستطوِّق المكان، هذه المرة لن يستطيع الهرب".
    توقف كِلا الشرطيين على تقاطع "أساكوسا"، يلتقطان أنفاسهما. لم يكن من الشائع أن يكون المكان مكتظًا أو مظلمًا، ولكن مهرجانًا موسيقيًا صغيرًا كان يُقام في أطراف الطريق؛ شاحنة تحوي مسرحًا صغيرًا حيث توجَّهت نحوه جميع الأضواء، واختلطت معه أصوات الحشود بموسيقى البوب العالية من مكبرات الصوت.
    جاء صوت من الهاتف مرتجفًا: "فقدنا الإشارة، سيدي..."
    "أين كانت آخر مرة؟ أسرِع!"
    "نحن نعمل على تضييق نطاق البحث... أمهلني بضع ثوانٍ فقط".
    استمرت أنظارهما في البحث من حولهما بيأس، وكل منهما يضع يده على مسدسه حتى...


    صمت المكان فجأة. توقفت مكبرات الصوت عن العمل وكأنها انقطعت فجأة، وبشكل ما أصبح المكان أقل صخبًا. قفز رجل من منظِّمي الحفل ليتأكد من توصيلات الصوت. بضع لحظات مرت، ثم عادت الموسيقى للعمل ولكنها... لم تكن نفس الموسيقى. كانت نغمة غريبة لذلك الحشد الذي ظنها جزءًا من العرض.
    ولكنها جذبت أنظار الشرطيين.

    وقف كلاهما ينظر ويستمع في توتر، بادية عليهما نظرات الخوف. كانا وحدهما من يعرف ماذا تعني تلك النغمة تحديدًا. تجمد أحدهما تمامًا وتحولت أنظاره نحو ملامح يأس، بينما رفع الآخر هاتفه وصرخ بصوت عال:
    "أرسِل لي الموقع اللعين فورًا!"


    صوت صراخ أنثوي عالٍ اخترق الأجواء، تبعته صرخات أخرى. تحولت أنظار الجميع نحو المبنى المقابل لذلك التقاطع، حيث كانت الفتاة تشير بيد مرتجفة.
    هناك...
    من إحدى نوافذ الطابق الثالث كان يتدلى حبل في نهايته جسد. سُترة سوداء مع بنطال أزرق خاص بالشرطة. تغطى وجهة ببعض الشعر المتدلي ، ولكن لم يكن من الصعب التعرف على هويته. ملابسه ملطخة بالدماء، وكأنه بقايا فريسة.
    انحدرت الدماء من جميع أطراف جسده نزولًا إلى حذائه وبدأت بالتقطُّر، قطرة ثم قطرة، بشكل إيقاعي يناسب تلك المعزوفة التي ما زالت تدور في الخلفية.
    سقط الهاتف من يد الشرطي، وركع الآخر على ركبتيه، يحدقان في المشهد ذاته، وتعتلي كليهما نفس النظرة ، نحو ما كان رفيقًا لهم.



    بعد تلك الليلة، يمكن القول إن التوقف عن الركض لم يعد السبيل الوحيد نحو ما نخشاه...
    أحيانًا، ما نخشاه هو ما ينتظرنا عند نهاية الطريق.

    ركض
    التعليقات
    تحميل...