Ariatoon Logo
    الفصل1الثلاثاء، ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٥

    سقوط يونتان... قبل 342 سنة


    منذ زمن بعيد كانت هناك مملكة تدعى يونتان، حكمتها عائلة نبيلة وعادلة لعقود طويلة، عاش شعبها في سلام، وتوسعت تجارتها حتى أصبحت مركزًا للتجار بين الممالك الأخرى وكان التجار يأتون اليها من كل حدبٍ وصوب. لكن هذا الازدهار لم يستمر. 


    في ذلك اليوم، اليومٌ الذي كان يُفترض أن يكون احتفالًا ببلوغ الأمير الصغير عامه السادس حيث كانت من عادة المملكة الاحتفال بالأمراء في هذا العمر فقد كان يعتبر عمر بدء النضج، فبعد الاحتفال كان الأمراء يبدأون تعليمهم بشكل جدّي. 


    لكن لم تسر الأمور كما هو مخطط له في ذلك اليوم..


    غمرت المملكة اجواء من الفرح والسرور، أعلام المملكة الزرقاء ترفرف في كل زاوية، والزهور تتمايل بفعل الهواء. الأهازيج تملأ الأجواء بفرح وامل بأن الامير الصغير سيكون مثل اسلافه في حكمته وعدله. 


    تجمعت الحشود من كل أنحاء المملكة، ينتظرون بفارغ الصبر ظهور العائلة الملكية على شرفة القصر لتلقي التحية.


    لكن وخلف الجدران كانت مؤامرة تُنسج في الظلام. تسللت مجموعة من القتلة المقنعين إلى داخل القصر، واندس آخرون بين الحضور في الساحة بسلاسة متنكرين كضيوف. اعينهم مثبتة على الشرفة بنظراتٍ قاتمة، مترقبةً اللحظة المثالية للهجوم.


    عندما ظهرت العائلة الملكية على الشرفة، تحرك القتلة بسرعة ودقة لا ترحم. في غمضة عين، انقلبت أجواء الاحتفال البهيج إلى كابوسٍ من الرعب والفوضى، وتحول الفرح في الساحة إلى صرخاتٍ مذعورة.


    كان القتلة ماهرون جدًا وكأنما تدربوا لهذه اللحظة وخططوا لها منذ سنوات طويلة


    قُتل الملك والملكة أولًا، وانتهت حياتهما في لحظة خاطفة. تلاهما الأمير الثاني وزوجته بينما حاول الامير الصغير ذو الستة اعوام الهرب الى داخل القصر لكن تبعه احد المقنعين، لم يكونو ليتركو فردًا واحدًا من العائلة على قيد الحياة حتى لو كان طفلًا. 


    كان الأمير الأول وهو ولي العهد الذي تأخر عن الاحتفال متجهًا نحو الشرفة عندما هاجم المقنعون القصر، لكن ما إن رأى جثث عائلته حتى سارع في العودة إلى جناحه الملكي، كانت زوجته ترقد هناك مع رضيعها الذي ولد منذ يومين. دخل وأغلق الباب بإحكام، وقد تملّكه القلق والارتباك. نظر نحو السرير فوجد زوجته هامدة بلا حراك والدماء تغطيها وتغطي ملائات السرير الحريريه، وقف جامدًا في مكانه. قلبه ينبض بشدة، كانت يداه ترتجفان في صدمة وغضب شديد، حاول تمالك نفسه، مرر عينيه سريعًا على السرير يبحث عن طفله الصغير. رفع الغطاء ببطء على أمل في العثور عليه مندسًا تحت الأغطيه نائمًا في سلام، لكنه لم يجده..


    حينها، التقطت أذنه صوت أنين ضعيف قادم من الخزانة. تسارع نبضه وهو يفتح الخزانة، ليجد طفله مخبأً هناك، مغطى بغطاء زوجته الحريري الخاص. بحزن شديد، حمل الطفل بين ذراعيه برفق، وأدرك أنه لم يعد هناك وقت ليبكي أو ينوح على احد. اتجه بسرعة نحو طاولته وفتح الدرج المقفل وأخرج منه خاتمًا غريبًا


    في تلك الاثناء كسر الرجال المقنعين بوابة مكتبه فلبس الأمير الخاتم، ثم اختفى واختفى معه المقنعون الذين كانوا بجواره.. .


    في تلك اللحظات، كان المستشار روزيل بعيدًا عن ساحة الاحتفال، مشغولًا بإتمام بعض الترتيبات في مكان آخر داخل القصر. فجأة سمع اصوات الصرخات. هذه ليست صرخات تحية، انها صرخات رعب. شعر بالفوضى تعم القصر والناس يركضون من جميع الاتجاهات هربًا نحو بوابة القصر الرئيسية، اندفع بسرعة خارج الغرفة، نظر الى العامة وكانت آثار الدماء تغطي بعضهم.. ركض نحو القصر وتفقد الشرفة بقلق لكنه لم يرى الملك ولا الملكة هناك، صعد الى الشرفه ليكتشف الصدمة الكبرى حين وجد ان الملك والملكة قد فارقا الحياة، وكذلك الأمير الثاني وزوجته. 


    في لحظة من الذهول، اعتقد روزيل أن العائلة الملكية قد تم القضاء عليها بالكامل، ركض نحو غرفة ولي العهد ليتفقده ويتفقد زوجته الأميرة ورضيعها، سمع صوت سعال ضعيف قادم من إحدى غرف القصر القريبة. تبع الصوت بسرعة، فوجد الأمير الصغير يختبئ خلف الستائر المخملية الثقيلة يعاني من جرح خطير. حمله بسرعة بين ذراعيه وركض به عبر الردهة حتى وصل الى ممر سري يؤدي الى مكتبة القصر التي تقع في الطابق السفلي


    كان روزيل يمتلك خاتمًا غامضًا آخر مثل الذي يملكه ولي العهد يمكنه من التنقل. صُنع منه اثنين فقط، واحد معه وآخر مع ولي العهد. استخدم خاتمه ليُنقِذ الأمير الصغير، ويغادر القصر بسرعة وقبل ان يفعل ذلك رمى شعلة بين الكتب ليحرق المكتبة واخذ معه حقيبة جلدية واختفى مع الأمير الصغير. كان متأكدًا من ان ولي العهد قد فعل الامر ذاته وانتقل الى مكان آمن.


    لم يكن روزيل يعلم بوجود الرضيع بعد؛ فقد انجبته الأميرة ثم مرضت بشدة واصبحت ضعيفة للغاية لذلك قررت العائلة ان تمنع اي زيارة لها من اجل سلامتها، وأجلت اعلان خبر ولادتها الى ان تتعافى تمامًا ويطمئنوا من صحة الرضيع ولم يكن احد في القصر على على بأمره بعد سوى الملك والملكة وولي العهد


    انتقل المستشار روزيل إلى حديقة تقع في ساحة قصر غريب، كانت اشعة الشمس تتسلل بين الاشجار وتنعكس على وجه الامير الصغير الذي فقد الوعي، قبل مجيئهما كانت هناك إمرأة تجلس في حديقة القصر برفقة بعض الخدم والحرس بدى وكأنها كانت تستمتع بالهدوء وجمال الطبيعة حتى ظهر روزيل حاملًا الأمير الصغير المصاب فجأة على مقربة منها ليعكر صفوها، التفتت اليهما وتلاشت ابتسامتها في لحظة، نظرت اليهما بدهشة وعدم فهم لكن في صمت دون ان تقول كلمة، اسرع الحرس واحاطوا بها من كل الاتجاهات "سيدتي الملكة، ماهي اوامرك!؟" 


    لاحظت الملكة ذلك الطفل المصاب فأمرت الحراس بأن ينزلو اسلحتهم، تحدثت بينما عيناها مثبتتان عليهما "من أنتما؟" محدثة روزيل


    حدثها روزيل بإحترام "اعدك ان اخبرك بكل شيء لكن ارجوك ساعديني كي اطبب جراح هذا الصبي بسرعة، احتاج بعض الأعشاب!"


    نظرت الى الأمير الصغير بشفقة وقالت لخدمها "خذوه الى غرفة الادويه وقومو بمساعدته، احضروا له مايريد من ادويه حتى يتعافى الصبي"


    "امرك سيدتي!" 


    اخذوه الى غرفة الادويه في احد جوانب القصر واحضروا له جميع ماطلب من اعشاب


    "سيدي لدينا طبيب في القصر هل تريد ان استدعيه لمساعدتك؟" 


    "لاداعي، سأتولى الأمر وحدي".. .


    بعد عدة اشهر عينت الملكة روزيل مستشارًا في قصرها بعدما ادركت فائدته الكبيرة. عندها طلب روزيل من الملكة حماية الأمير الصغير وتعليمه في القصر مقابل ان يكرس ولاءه لها ويخدمها في شؤون مملكتها، فوافقت الملكة على ذلك.


    ....


    بعد أن أكمل القتلة المقنعون مهمتهم وقتلو كل من قد يقف في طريقهم، استولوا على المملكة وفتحوا بوابة الشر داخل القصر، وأطلقوا العنان لجموع من الوحوش المرعبة للخروج الى ارض يونتان حيث انطلقت الوحوش بسرعة وشراسه متلهفة للقتل، هاجمت الوحوش الناس بلا رحمة، تحولت يونتان الى فوضى عارمة حيث لم تُبقِ الوحوش على شيء في طريقها. ترددت صرخات الرعب في كل زاوية من المملكة.


    دمرت الوحوش كل شيء، كان الهجوم مدفوعًا بجوع لا يشبع للدماء، الطرق أصبحت الآن مغطاة بالدماء ومليئة برائحة الموت. الوحوش العمياء ذات السمع الحاد لم تترك صوتًا في يونتان، فكان الناجون الوحيدون هم من عرفوا كيف يلتزمون الصمت. 


    ومع ذلك، وسط الفوضى والمذبحة، بقي بصيص من الأمل. بدأ الناجون القلائل يفهمون ضعف الوحوش؛ فقد كانت عاجزة عن الرؤية، لكنها تعتمد على سمع قوي. تعلم شعب يونتان في سبيل البقاء كيف يتحركون بصمت، ويتجنبون المخلوقات القاتلة التي حولت جنتهم إلى كابوس، لكن ذلك لم يكن كافيًا، استقر من تبقى من شعب يونتان في كهف كبير بداخل الجبل هربًا من الوحوش، حيث قرروا بدء حضارة جديدة هناك على امل اي يستعيدوا مجد مملكتهم الذي سُلب منهم في يوم ما.

    مقدمة: حين انطفأت الأهازيج
    التعليقات
    تحميل...