Ariatoon Logo
    الفصل1السبت، ١٤ يونيو ٢٠٢٥

    الفصل الأول: كوابيس

    إذا سألك شخص عن كيفية وصول المرء لغاياته، فستكون الإجابات بالمال، أو السلطة، أو الحظ، لكن لن يخبرك أحد بسر العهد القديم، إذ يُحكى قديمًا أن خادمًا تمكن من هزيمة أقوى ملك عرفه الزمان، دون مال، أو سلطة، ولا حظ، فقط باليارتيب.
    في ليالي نومي المقلقة، كانت تراودني أحلام مزعجة، لكن، وبكل صراحة، لم أكن أبالي بشأنها على الإطلاق، فالكابوس كما يفضل الناس تلقيبه، هو حدث أو مجموعة من الأحداث تُبنى من خلال تجربة أو أكثر تركتْ أثرًا سيئًا على عقلك الباطن، ونتيجة لتأثره بها، فإنه يقوم بعكسها في صورة أحلام مزعجة. وكأنكم تهتمون بما أقول. على كلٍ، لن ألقي بالًا لذلك، فقد كنتُ مثلكم في يوم من الأيام، إنه نعيم الجهل يا صديقي، وكان ذلك حتى شتاء العام الماضي، في إحدى الليالي الممطرة، حيث بدأتْ أحلامي المزعجة في التغير. لقد وجدتُ نفسي يومًا في أحد المعابد الفرعونية القديمة، وكان هناك ملك تظهر عليه علامات السخط، يمسك إحدى المخطوطات بيده، تتناثر منها أوراق في كل اتجاه، بجواره يقف أحد الكهنة، ويبدو أنه يخبره بشيء ما، وحولهما أيدٍ ملطخة بالدماء تحاول الإمساك بأوراق المخطوطة المتطايرة. أخذتُ في النظر حولي قائلًا:
    ما هذا؟! أين أنا بالتحديد؟!
    وكان أمامهما امرأة متصلبة ترتدي زيًا بسيطًا مهترئًا، تحمل في يدها رضيعًا صغيرًا، تحتضنه وهي تبكي بحرقة. وسرعان ما نقلتُ عينيَّ إلى حراس الملك، الذين أمرهم الملك مستخدمًا سبابته للحاق بالمرأة في إشارة، قائلًا:
    - لا يمكن أن نسمح لهما بالهروب.
    تجمدتُ في مكاني، وعيناي تتنقلان بين الوجوه الغاضبة والدماء المتناثرة. من هؤلاء الأشخاص بحق السماء؟ وسط هذا الصخب، تحركتْ المرأة، ضمّتْ رضيعها إلى صدرها بقوة، وانحنتْ عليه حتى لامس شعرها وجهه الصغير، وهمستْ بصوتٍ يرتجف كأنه اعتذار أخير:
    - آسفة يا صغيري، أمك مضطرة لذلك.
    لم يكد صوتها يختفي حتى دوّى أمره الثاني لحراسه بصوتٍ كأنه صادر من أعماق قلبه:
    - أمسكوا بها! لا تدعوها تهرب!
    ثم اهتزّتْ الأرض تحت قدمي مع صدى صوته، أو ربما هو جسدي الذي يرتجف. لا بل تجمدتْ قدميَّ، لم أقدر على الحراك وكأنني شُللت، حتى لساني لا يتحرك، فسألتُ نفسي:
    هل تجمعتْ جميع مخاوفي في مكان واحد!
    عندئذ بدأ المكان في السقوط، وكان لابد من الخروج، لكن كيف؟! كيف وأنا غير قادر...
    ***
    ما زلتُ أتذكر وقع سقوط كأس الماء المثلج على وجهي، كان مثل ارتطام سفينة تايتانيك بصخرة المحيط العملاقة، لكن بالرغم من ذلك، كان بمثابة إنقاذٍ لي، وإيقاظٍ من سقوط مبنى كبير على رأسي، وكانت منقذتي كالعادة أمي الحبيبة، ذات الابتسامة الصادقة، والوجه المنير، التي لم يكفها إنقاذي عديد المرات في العالم الحقيقي، بل أتتْ لتنقذني من عالم الأحلام أيضًا. كم أحب أمي!
    في غرفة شاب غير مرتبة، تبدو عليها ملامح عدم الاهتمام، وكأنني لم أقم بتنظيفها منذ شهر على الأقل، وفي حيرة من أمري، ممسكًا رأسي المبتلة، بدأتُ في فتح عيني، لأرى وجه أمي البشوش، قائلًا لها:
    - صباح الخير يا أمي. كم الساعة الآن؟
    قلتها، وأنا أنظر لمنبهي الموضوع بجوار أذني، فأجابتني:
    - إنها الثامنة والربع صباحًا. لقد حاول المنبه إيقاظك، لكن باءتْ جميع محاولاته بالفشل، ثم حاولتُ أن أقوم بدوره، لكن كلما حاولتُ، كانت تأتيني الإجابة، اتركيني يا أمي، لا يوجد عمل اليوم. وتكمل نومك، كالذي سقط من فوق جبل.
    فأجبتها مستنكرًا مما قالتْ:
    - ماذا؟! كيف لا يوجد عمل اليوم وهو الأحد؟!
    أحيانًا يقول الإنسان ما يريده سهوًا وهو نائم، أتعجب من حقيقتي المفرطة! نهضتُ من سريري مفزوعًا، ارتديتُ حذائي المنزلي، مرددًا ثلاث كلمات: الثامنة؟! العمل! العمل!
    يا لسرعتي المتقنة! قمتُ بحلق ذقني كاملةً، وتمشيط خصلات شعري القصيرة، ثم توضأتُ، فصليتُ، وبعدها هممتُ لارتداء ملابسي، اخترتُ منها أفضل ما ارتداءه أثناء العمل، سترة شتوي زرقاء اللون وقميص أسود أسفل منها، مع بنطال كلاسيكي وحذاء، وكان كلاهما باللون الأسود. وبالرغم من كل استعداداتي للذهاب، إلا أنني قد نسيت تناول وجبة الإفطار، قبّلتُ يد أمي، وخرجتُ للعمل. بعدما ارتحلتُ، انتابتْ حالة من التعجب وجه أمي، بعدما وجدتْ أوراق عملي، وقد نسيتها على الأريكة، فقالتْ:
    - إنها أوراق عمل مُراد، لقد نسيها، لابد أنه ما زال... لا، للأسف، قد ابتعد.
    تنهدتْ أمي، ثم استطردتْ حديثها، وعلى وجهها حالة من عدم الرضا، تطغى عليها عاطفة الأم المحبة لابنها الوحيد:
    - مشتتٌ طوال عمرك يا بني، أدعو الله أن يهديك ويوفقك.
    ***
    أسرعتُ في طريقي نحو موقف السيارات، الذي عادة ما يكون مزدحمًا في هذا الوقت، لكن، ولأنني أعلم حظي تمام المعرفة، كان مثل قصر مهجور منذ آلاف السنين، لم أجد فيه غير سيارة واحدة، أوقفتها وسألتُ السائق عن إن كان ذاهبًا لمحطة تلفاز المدينة الفضائية، محطة الصعيد، وبالفعل قد وافق على سؤالي، لكن، وكعادة المصريين، لا يتركون مجالًا للسخرية إلا وخاضوا فيه، أخبرني بوجه مبتسم:
    - وماذا عن الدلتا؟
    حاولتُ ابتلاع ثقل دم السائق فقط حتى لا أتأخر، لكن كأنه كان على علم بتأخيري، وأهمية وصولي للعمل بأسرع وقت، عرض علي إيصالي مقابل ضعف الثمن المتعارف عليه. لم أكن لأقبل عرض السائق في ظرف غير هذا، لكن لم أجد في طريقي غيره. دخلتُ السيارة، وقرأتُ دعاء الركوب، حدثتُ السائق عن ظروفي المستعصية، وأهمية وصولي سريعًا لمكان العمل. لن أكتم عنكم حديثًا، قد غلبتني شدة كراهيتي للسائق الجشع، فاستعذتُ بالله من أمثاله في سري، ثم قلتُ:
    - مستغلٌ وماديٌ!
    وكانت تلك العبارة خارج سري تمامًا.
    - أتقول شيئًا يا أستاذ؟
    مغيرًا طريقة حديثي، مظهرًا الرضا والسرور على وجهي، محولًا عبارة السخط والكراهية، لعبارة من عبارات التحفيز والتنمية، فقط أقول: مستمر وعادي، مهما كانت مشقات الحياة.
    - حسنًا، كنتُ أخالك تقول شيئًا آخر.
    حمدتُ الله على أنه صدق كذبتي البيضاء، وإلا لذهبت إلى المشفى بدلًا من العمل. بعد مرور نصف ساعة منذ أن ركبت، أخبرتُ السائق: توقف هنا لو سمحت. حاسبته، ونزلتُ من السيارة، أعطيته الثمن المتفق عليه مسبقًا، لكن فاجأني السائق برد فعله، فقد قام بتعديل وضع نظارته، وبدأ يدقق عينه محدقًا في المبلغ قائلًا:
    - لكن يا أستاذ، هذه الأموال ممزقة.
    أخبرته أنها الوحيدة في جيبي، فتفهم الأمر، وانصرف تاركًا على قميصي آثار المياه التي كانت في طريقه، وهنا ظهر كيف أنه قد تفهم الأمر حقًا. قمتُ بتجفيف قميصي وتعديل هيئتي، ثم انطلقتُ في طريقي حتى قابلتُ حارس المحطة، العم حارث، رجل في الستين من عمره، يرتدي جلبابًا أسود ممزقًا، له شارب يمكن للنسر أن يقف عليه، وبدأتُ حديثًا معه:
    - عم حارث. كيف حال رجل المحطة العجوز؟
    كما كنت أحب أن أمازحه دومًا. فأجاب في نبرة وراءها الكثير من الهموم:
    - بخير الحمد لله.
    ثم أكمل حديثه قائلًا بسرعة:
    - الأستاذ دياب يبحث عنك في كل ركن في المحطة، وقال إنه سيقوم بخصم مرتبك، وأنت لن تحتمل ذلك، يا بني.
    لهذا السبب تركته، وأكملتُ طريقي مسرعًا نحو الدرج، حتى ارتطمتُ بإحداهن، فقالتْ موبخةً إياي على ما حدث:
    - ألا ترى يا أستاذ مراد؟! إنه أنت، أخيرًا وجدناك.
    وكانت ربما ستكمل حديثها لكنها سكتتْ. نظرتُ أمامي، وإذ بي أجد فريدة، زميلتي من سنوات الجامعة، فأجبتها بأني على علم بأن الأستاذ دياب يبحث عني من أجل أوراق الحلقة، فسألتني:
    - كيف علمت؟
    أجبتها:
    - العم حارث، ذلك الرجل وبالرغم من كبر سنه، إلا أنه يعلم كل صغيرة وكبيرة تدور في المحطة، أشياءً حتى أنا لا أعلم بها.
    ثم أخذتُ نظارتها الذهبية التي سقطتْ على أثر السقوط، وأعطيتها إياها، واستوقفني قليلًا شكلها، هي لم تقم بتغييرها من أيام الجامعة تقريبًا، فقمتُ بسؤالها عما يدور في ذهني، فأجابتني:
    - لا أقدر على تغييرها، فهي أول هدية تلقيتها من زوجي عمر.
    أمسكتُ جبيني أحاول التذكر، وبعدما اعتصرتُ ذاكرتي، سألتها عن حاله وحال ابنهما مالك، فأجابتني:
    - بخير، الحمد لله، كما تعلم عمر ما زال يعمل صحفيًا في المحطة، أما مالك لا يحب الحديث مع أحد إطلاقًا، دائمًا يجلس بمفرده، لكن أخبرني كيف لك أن تنسى، وأنتَ الذي شهدتَ على عقد الزواج!
    قلتُ في عقلي:
    يا للإحراج، يبدو أنني شاب عشريني مع ذاكرة عجوز ستيني.
    وسط الحديث المتواصل بيني وبين فريدة، التفتُ، لأجد الأستاذ دياب واقفًا خلفي تمامًا، رجل أربعيني، خفيف الشعر، منحنيَ الظهر، ظهرتْ عليه علامات كبر السن قبل أوانها، وبدأتْ تظهر على وجهه بعض التجاعيد، له نظرة حادة مثل نبرة صوته، تتمنى لو لا تراها، ويرتدي بدلة زرقاء من إحدى الماركات العالمية، مع ساعة سويسرية لا يوجد مثلها على الأقل في مصر. كان يناديني، وعلى وجهه علامات السخط:
    - مراد!
    محركًا تفاحة آدم، عاضًا لشفتي، محاولًا تجاوز الموقف، مفكرًا في جمال أن تنشق الأرض وتنقذني من ذلك الموقف، مخبرًا إياه بعبارات تلطيفية، مطمئنًا إياه عن أوراق الحلقة التي ستنقل المحطة نقلة نوعية، أمسكتُ الحقيبة لأخرج منها أوراق الحلقة، لكن...
    - تفضل يا أستاذ.
    قالها بنبرة ثقة لا يقدر على أن يملكها أدهى ملوك العصور القديمة، ثم في غضب شديد تملك الأستاذ دياب أكمل:
    - ما هذا؟! يا أستاذ! يا محترم! ورق بردي! هل قلنا لك أننا سننقل الحلقة من الأستوديو أم من المتحف؟! تلك ليستْ مرّتُك الأولى يا مراد. أنا أصدر قرارًا بفصلك!
    ثم قال مع نظرة سخرية يطغى عليها التهكم والقسوة:
    - ولا تنسى أن تمر على قسم الحسابات، لتأخذ ما تبقى لك، إن كان لك شيءٌ أصلًا.
    حاولتْ فريدة تهدئة الموقف، وإقناعه بالخصم عوضًا عن الفصل، لكن قابلها برد قاس، عمّن قام بتعيينها محامية عني، وأن من لا يعجبه قرارات رئيس المحطة، يمكنه بكل سهولة أن يلحق بركب المطرودين. في صدمة من أمري، أخبرته أنني سأغادر، ولا داعي للمزيد من المشاكل بسببي، ثم خرجتُ من المحطة، وجلستُ على أحد الأرصفة، والحزن مسيطرٌ علي، مستطردًا حديثي في عقلي:
    - لكنه ليس ذنبي، كل ذلك من الكوابيس.
    سمعتني فريدة أحدثُ نفسي، فقالتْ:
    - كوابيس؟ لا أقصد أن أتدخل في أمورك الخاصة، لكن سمعتك بالصدفة.
    قلت لها:
    - لا عليكِ، ليس ذنبكِ على أي حال، لكن الموضوع طويل لشرحه، ولا أريد أن أشغلكِ بمشاكلي.
    جلست فريدة على الرصيف، وأخبرتني بأنه وقت راحتها، لذا لا يوجد أي مشكلة في أن تستمع لي. موسعًا مقلتي، هائمًا في حبي للقصص والحكايات، لكن في خوف مما يحدث معي، بدأت في تذكر كوابيسي، الموضوع بدأ معي منذ عام تقريبًا، بدأتُ أرى أحلامًا مزعجة عن أماكن وأشخاص غريبة، أماكن تشبه المتاحف والمعابد القديمة، وأشخاص يلاحقون سيدة تمسك بطفل رضيع، هم يحاولون الإمساك بها، كأن لديها شيئًا يخصهم. مستغربة من حديثي، مقاطعة إياه:
    - لكن كيف تقول لي أنه كابوس وأنتَ غير موجود فيه أصلًا؟! أقصد أنه لم يقع عليك أي ضرر.
    أخبرتها أنها محقة بالفعل، لأنني لم أتأثر بشيء، لم أتحرك، ولم أتحدث، كنتُ شبه مشلول تقريبًا! لكن، ولأن فريدة تعرفني جيدًا بحكم الدراسة ومن ثم العمل، أخبرتني أنه لا يمكن أن أكون مذعوراً من موقف بسيط مثل هذا، ومن الممكن أن يكون كل ما رأيته، ليس إلا نتاج مخيلتي، وبسبب هوسي بقصص الفراعنة والتاريخ. أوقفني حديثها قليلًا، فهل يمكن أن يكون كلامها حقيقي؟ لكن ما أنا واثق منه أن كل كابوس كان مختلفًا عن الذي يسبقه، مكملًا له، مثل حلقات المسلسل، ففي كل مرة أرى أشياءً وأشخاصًا لم أرهم من قبل، كأن كابوسي يحاول تكوين صورة، مثل ألعاب الألغاز القديمة، تكمل الصورة لتعرف الشكل. سألتني:
    - وما الذي رأيته في آخر كوابيسك؟
    فأجبتُ:
    - نفس الذي أخبرتك إياه، نفس المكان، ونفس الأشخاص، ونفس المرأة، لكن هذه المرة كانتْ النهاية مختلفة، كان المكان ينهار، ولم أكن أقدر على الحراك.
    نظرتْ فريدة إلى السماء، وكأنها تراقب النجوم، ثم أكملتْ حديثها:
    - لا أدري، ذلك أمر غريب للغاية، لكنكَ لم تخبرني ما علاقة ذلك بفصلك؟
    تنهدتُ قليلًا، محاولًا تفريغ همومي التي تملأ صدري، ثم أخبرتها أنه في كل مرة يأتي لي كابوسًا، يحدث لي شيءٌ غريبٌ، مشكلة من المشاكل، في العمل مثل اليوم، أو حتى في أي مكان آخر. حاولتُ تذكر أي شيء قد قمتُ بفعله قبل اليوم الذي أحلم فيه، لكن للأسف دون جدوى، أستيقظ ناسيًا ما حدث في اليوم السابق، فأقوم بسؤال أمي عما حدث، فتخبرني أنني كنت في غاية الإرهاق بعدما أتيتُ من العمل، وكأنك لا ترى ولا تسمع أحد، فأتركك على راحتك. استوقفتني فريدة مرة أخرى، وأخبرتني:
    - أليس من الممكن أن يكون أمرًا عاديًا لشخص عاد من ضغط العمل؟
    ورغم أنها كانت تقتل متعة الحديث، إلا أنها محقة فيما قالتْ، لكنني أخبرتها أن تدعني أكمل حديثي، ومن ثم تحكم بالاقتناع، أو الامتناع.
    - بعد العشاء، أقوم بضبط المنبه ووضعه بجوار أذني تمامًا، وأخلد للنوم، لكن مهما حاولتُ، كل مرة أنام في ساعة مختلفة، مرة الساعة العاشرة، ومرة في الحادية عشرة، وفي كل مرة يزيد الوقت ساعة عن المرة التي تسبقها، وبالرغم من أنني أقوم بضبط المنبه على الساعة السادسة حتى لا أتأخر عن العمل، لكن، ولأمر لا يعلمه إلا الله، كنت أستيقظ بساعة أكثر من المرة التي قبلها، حتى إن حاولتُ ضبط نومي، لا يتغير شيء.
    أخبرتني فريدة وعلى ملامحها اليأس من الوصول إلى حل مشكلتي:
    - ما رأيك في أن تذهب إلى طبيب نفسي؟
    أجبتُ عن سؤالها بنظرة يشوبها السخرية:
    - ذهبت لثلاثة من قبل. أعلم أن ذلك رقم كبير لشاب مثلي، لكن أرهقني الموضوع، وبالأخص لأنه يمنعني عن النوم. وفي كل مرة لا أحصل على شيءٍ سوى بعض المهدئات التي لا تغير الوضع، بل تزيده سوءًا.
    فقالت لي:
    - لا تقلق، أعرف طبيبة ممتازة سيكون لديها حلٌ لمشكلتك.
    أخبرتها ألا تشغل بالها بالموضوع، وذلك بعدما نظرتُ لساعة يدي، والتي أخبرتني بانتهاء وقت راحتها، وأخبرتها أن تذهب لعملها على الفور، لكيلا نصبح نحن الاثنين على الرصيف. عدتُ لبيتي، محملًا بالأعباء، لا أجد حلًا، لا لمشكلة فصلي، ولا حتى لكوابيسي، ثم وجدتُ أمي، والتي تساءلتْ عن سبب عودتي مبكرًا اليوم، فأجبتها بنبرة حزينة، لا يقدر على فهم ما تعنيه سوى قلب أم حنون، بأنني قد طردتُ من العمل. وقع صدى الكلمة على والدتي كأنما طُعنتْ سكينٌ في قلبها، وسألتني عمّا حدث ونتج عنه هذا الطرد، فلم أستطع الإجابة سوى بأنني ذاهب للنوم، فأجابتني بقلب ينعصر ألمًا:
    - وكيف سنعيش يا بني؟ منذ أن رحل أبوك، كنتَ أنتَ سندنا الوحيد ومصدر دخلنا. من أين سنسدد الإيجار؟ وفاتورة الغاز، والكهرباء، وباقي المصروفات؟ كيف سنتصرف؟ كنا في عرض البحر، وأنت كنتَ طوق نجاتنا الوحيد يا مراد. سوف نغرق هكذا.
    لم أجد في قاموس إجاباتي ردًا، فأجبتها بأن الذي حدث قد حدث، ولا يمكن العودة للماضي وتصحيحه، ثم دخلتُ غرفتي، وظللتُ ساهرًا حتى الساعة الثالثة صباحًا، محاولًا عدم النوم لكيلا أقع مرة أخرى ضحية لكوابيسي، لكن بالرغم من استهلاكي لكأس كاملة من القهوة، سرعان ما غلبني النعاس، فقلتُ مستنكرًا:
    - ما هذا؟! مرة أخرى!
    كنتُ في إحدى المكتبات الممتلئة بالكتب، أيضًا بالنوافذ، وكانت كل نافذة تشع ضوءًا قمريًا، كأنه البدر في اكتماله، كان يتجمع الضوء في شكل بديع، ويسلط على أحد زوايا المكتبة التي لم يكن فيها سوى كتاب واحد فقط، مكونًا ما يشبه بوابة هرمية الشكل بجواره، ويشع منها ضوءٌ ذهبيٌ. أعرفُ هذا الكتاب جيدًا، إنه كتابٌ فرعوني قديم كان في مكتبة العم حسن العابد عندما كنت أعمل لديه بعدما تُوفيَ أبي، حاولتْ أمي حينها أن تدبر أمر تعليمي، لكن لم تنجح في ذلك وحدها، ولهذا عملتُ هناك قرابة عشرة أعوام. لم تكن المكتبة تحمل ذلك الإقبال الهائل، ولم يكن بها سوى بعض الكتب القديمة المتهالكة، وبالرغم من ذلك، في بداية كل شهر، كان يزورنا رجل أصلع الرأس، يبدو عليه مظاهر الثراء، يصل إلينا في سيارة فارهة، مرتديًا بدلة زرقاء من أفخم العلامات التجارية، وساعة يد لا تقل قيمة عنها. بعد انتهاء زيارته، كان العم حسن يعطيني راتبي الذي كان يزداد إلى الضعف بعد تلك الزيارة الغامضة، ولأنني كنتُ لم أكمل عشرة أعوام بعد، لم يكن الأمر يشغلني، حتى بعد أن يعود إلى ما ينقص عن أصله في الأشهر العادية. ما زلتُ أتذكر كيف حاولتُ في إحدى المرات التقليب في صفحاته ذات مرة، فباتتْ أول مرة ينظر لي بها العم حسن في غضب.
    ثم خرج رجل من تلك البوابة، كبير السن، منحنيَ الظهر، يرتدي نظارة. من هذا الرجل؟ كأنني رأيته مسبقًا. ثم قلت في نفسي:
    إنه العم حسن.
    وأخذتُ أنادي عليه، يا عم حسن! حتى قلت لنفسي، مستنكرًا ما أفعل:
    يا لذكائي الشديد! كيف سيسمعني؟ إنه لا يراني من الأساس، ومن ذلك الطفل الذي يمسكه؟
    قال عم حسن، وهو يضحك لوجه الطفل:
    - بسم الله، ما شاء الله، اللهم صلِّ على النبي، ما الذي جاء بك هنا يا بني؟ لا تخف، تعال.
    حينها ظهر رجل آتٍ من ظهر عم حسن وهو يتسلل، وشعرتُ أن الرجل الذي يأتي من هناك، لا يستريح له قلبي، وماذا يمسك في يده؟ إنه شيء يشبه السكين، بل هو سكين بالفعل. احترس يا عم حسن! يا عم حسن!
    استيقظتُ من نومي، عينٌ تنظر حولي تتأكد من أنه كان كابوسًا، والأخرى تنظر إلى المنبه الذي لم أستيقظ عليه كالمعتاد.
    - يا لغرابتك يا منبه! أليس من المفترض أن توقظني؟ أم أنك قدّمتَ على وظيفة أخرى؟ لِمَ تتركني في كوابيسي طوال الليل؟ ألم يحن قلبك؟ ألم تشفق علي؟
    ثم دخلتْ أمي وعلى وجهها علامات تعجب، فسألتني: هل تحدّث المنبه يا بني؟! سؤال بديهي، ماذا أفعل؟ لو قام بدوره، لكنتُ استيقظتُ مبكرًا قليلًا، وما كنت لأرى أحلامي المزعجة، ثم بدأتُ في استرجاع ما رأيته في الكابوس، وقلتُ:
    - الكابوس، والعم حسن. العم حسن!
    سألتني أمي:
    - ماذا به؟!
    امتنعتُ عن الحديث حتى أُنقذ الموقف، وأخبرتُ أمي بضرورة مغادرتي سريعًا. ارتديتُ ملابسي على عجلة من أمري، لكن قبل حتى أن أنتهي، سمعتُ صوت مؤذن الجامع الذي يجاور بيتنا، فسألتُ أمي أي أذان هذا، فأجابتني:
    - ليس أذانًا يا مراد، إنها الساعة التاسعة صباحًا! إنه نداء الموت، أحدهم قد تُوفيَ.
    فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون. وأكملتُ سماع النداء بينما أتم ارتداء ملابسي، فلم يكن الأمر يهمني على الإطلاق، لكن حدث شيءٌ لم يكن في الحسبان، فقد نادى المؤذن بصوت يعتريه الحزن:
    - لا إله إلا الله، محمد رسول الله، تُوفيَ إلى رحمة الله تعالى العم حسن محمد العابد، وتُشيع الجنازة بعد صلاة الجمعة.
    وحينها وقفت ووالدتي نناظر بعضنا البعض في حالة من الصدمة.

    كوابيس
    التعليقات
    تحميل...