(الفصل الأول من سيرافينا والفتى – سنابل قمح أمودال)
امتد القمح أمام ناظريه بحرًا لجيًا شاطئه عند باب منزله رغم أن الضياء سلب بصره للحظة، سنبلات ممتلئة حتى الثمالة، وناضجة حتى أخذت من الرمال لونًا، تترنح معًا بهدوء تحت وطأة الشمس مع نسيم الوادي وبحركته الصاخبة، فقد كان يركض في حقول أمودال، في ساحة معركة لا يراها غيره، بكف يده اليمنى غصن يابس بارد وكأنه من فولاذ مقدس، بعونه يقشُّ طريقه وسط وشوشات السنابل التي كانت تلطم وجهه كلما تقدم، وتتشبث بقميصه الكتاني الخشن كآلاف الأيادي العنيدة، ثم تزفر الأرض تحت قدميه حرارتها دفعة واحدة مع اقتراب الغسق، فتختلط رائحتها العطرة المنبعثة بغبار الحبوب والعرق الذي تجرعته على مدار شهور، رئتاه تعزفان لحنًا لاهثًا، بينما يقرع قلبه جدران صدره كطبل حرب تمهيدًا لبدء المعركة، إلا أنه، وفي غمرة انتشائه بوهم القوة، بالكاد لاحظ الحد الفاصل الذي اخترق وعيه، فقط ذلك الوميض الذي يفصل عالمه عن الواقع، ثم اصطدم به وكأنه شيء مادي، جذع مدفون عميقًا في الأرض، فسقط الغصن من يده، وارتطم تاليًا بالأرض القاسية القاحلة. استلقى هناك، مغمورًا بالقش والأغمار وبعض السنابل التي انحنت فوقه، سقوط كان في جوهره ختام لعبة ممتعة تركته نهايتها يضحك ليداري به خجله وفزعه، بينما تقف بجانبه أخته التي جبلت من طين هذه الأرض وشمسها، عضلات ذراعيها المفتولة مرورًا بأصابعها القاسية التي قد تشققت عند مقبض المنجل موضوعة على رأسها بمرارة، وجاء صوتها متهدجًا، يحمل رنين التعب الذي تراكم عليها، لكنه ظل مغلفًا بحنان أم خفي لا يظهر إلا في انكسار نبرتها:
- ألا ينتهي هذا الهذيان أبدًا؟!
ثم مدتْ يدها المتسخة بطين الأرض، وسحبته عن الأرض، وهو لم يقف فورًا، ظل جالسًا يراقب السماء التي بدأت تتشح بالأرجواني، وقال بصوت جاد يستر به خجله:
- ما كان ذلك سقوطًا يا أختاه، إنما استراحة محارب.
زفرت بضيق، ثم انحنت نحوه، أزاحتْ خصلة متربة عن عينيه، وأخذتْ تربت على رأسه بقسوة محببة بعثرت شعره المليء بقشور السنبل:
- واضح! فارس يطارد الأشباح وسط القش منذ الصباح. هيا قف!
وقف بسند من كتفها، ناهضًا يمرر يده على ظهره الذي لسعته قشور القمح، بينما تابعتْ هي بصوتٍ خفتتْ نبرته وكأنها تحاور نفسها:
- لننهِ هذا المربع، لعلنا نجمع قريبًا ما يكفي للرحيل شمالًا حين تنتهي الحرب، وأذكركَ، لن أدعك تلمس درعًا واحدًا يا زين قبل أن يضع آخر رجل سلاحه ويعود لبيته.
تأفف وهو يطالع الغصن اليابس عند قدميه، كنصل سلب حق إمساكه، ومع تلك الوخزة التي أصابتْ قلبه دون أن تشبه وخز السنابل، قال بحدة:
- وما نفع الفارس حينها إن عاد الجميع لبيوتهم؟ الحصان يصهل إذا شمَّ النار، وأنا لا أريد أن أشيخ هنا وبيدي منجل، بينما هم يوزعون الأمجاد ويبنون الأساطير خارج أمودال!
ابتسمتْ له حينها بمرارة، تتحداه بحديثها، وعيناها تعكسان تقوس ظهرها كشمس أمودال الغاربة:
- الأمجاد؟ انظر لإليرا، ألا ترى كيف يفسحون لها الزحام طريقًا كلما عادت، وكيف تجذب اهتمام القرية كاملة بفولاذ درعها اللامع؟ هي ليست فارسة حرب، فقط حامية حدود، ومع ذلك يقدسون خطواتها. الفارس يبقى فارسًا حتى لو لم يرفع سيفه يومًا.
وفجأة، وبحركة مباغتة آلمته بمقدار ما أضحكته، شدتْ خصلة من شعره بقوة موبخة:
- والآن، كف عن الأحلام وعد لعملك! لن أحصد هذا الحقل وحدي بينما أنت تقاتل الريح.
ثم وقفت تمط ظهرها، مع صرخة مكتومة طقطقت بها مفاصلها المتعبة، ثم نظرتْ حولها إلى الأغمار المتراكمة خلفها، وبدا وجهها شاحبًا رغم حمرة الشفق، وظهر على جسدها رجفة خفيفة بينما تسبح ذرات الغبار حولها كالأرواح الصغيرة، وهمستْ:
- كل هذا القمح، لم تكن الأرض كريمة لهذا الحد من قبل.
ثم نفضت كفيها مما علق بهما من تراب، وأطبقتهما فوق صدرها بخشوع، وأغمضتْ عينيها بقوة أظهرتْ تجاعيد التعب حول جفنيها، ووجهتْ صدرها نحو التل حيث كان الضريح يربض منذ الأزل، يخبئ بداخله ما تبقى من ضياء الشمس، وكانت صلاتها صامتة مشحونة بخوف قديم لم يفهمه زين أبدًا، فجوة تتسع بينهما، ومع غياب الشمس تمامًا، بدا له الضريح على التل كذراع ضخمة زحفت فوق الحقول، متجاوزة السنابل الوفيرة، لتقبض ببرود على ظلهما الصغير. خيم الخشوع على المكان، ولم يخرقه سوى وشوشة السنابل في المدى، وبينما كانت إتري منفصلة عن ذلك الواقع، ظلَّ زين مرابطًا على بعد خطوات، يرتكز على ساقٍ واحدة في تململ، يتذبذب في نظراته بين وقفتها الجامدة والأفق دون أن يحرك ساكنًا، وعندما انتهت من صلاتها، التفتت إليه، ومسحت جبهتها بطرف ردائها الذي نضح بالعرق، ثم قالت بنبرة غلبت عليها الملامة:
- كان أولى بكَ أن تؤازرني، فالأرض لا تجود بخيرها لمن يبخل عليها حتى بكلمة شكر.
ما وجد لتوبيخها جوابًا، فاكتفى بهزِّ كتفيه استخفافًا، حينها تابعتْ وهي تخطو نحوه وئيدة:
- انقضى سعيك اليوم، لكنني أنذرك، إن لم أرَ عرقك يبلل قميصك في الغد كفعلِك اليوم، فلا تنتظر على مائدتي ما يسدُّ رمقك!
تأفف زين بضيق، واستدار مولّيًا وجهه شطر القرية، متجاوزًا إياها بخطوات واسعة تنم عن ضيق صدره، فأسرعتْ إتري حتى غدتْ إلى جانبه، ثم مدّتْ يدها الكالة وعبثتْ بشعره للمرة الثانية، فانتفض مبتعدًا عنها وهو يحاول تسوية شعره بكفه بملامح يكسوها الخجل الممزوج بالغيظ:
- كفي عن هذا! لم أعد طفلًا.
حينها ضحكتْ بخفة، لكنها سرعان ما استعادتْ جديتها وهي تطالعه من أسفل لتدارك فارق الطول الذي نما بينهما فجأة:
- نعم، أصبحتَ بطولي يا زين، بل بتَّ تفوقني طولًا، وما زلت تركض في الحقول لهوَ الصغار في مطاردات لا تنقضي. عليك أن تدرك أن عهد اللعب قد ولّى، وآن لك أن تختار ماذا ستفعل في الغد.
أشاح ببصره عنها، وظل يراقبُ الطريق الموحل بطرف عينه، ثم قال بصوتٍ خافت مشحون بالإصرار:
- لكنني أخبرتك مرارًا، أريد أن أكون فارسًا.
توقفت إتري عن المسير، ونظرتْ إلى ظهره المفرود في عناد، ثم قالت بصوت قاطع:
- وقد أسمعتك قولي: لن أدعك تلامس درعًا أو تتقلد نصلًا حتى تضع هذه الحرب أوزارها، ويعود آخر رجل إلى بيته، فالفروسية ليست حلمًا في زمن يقتات فيه الموت على الصغار. ابحث عن بدائل أخرى، سأعرض أمرك على الحداد، فزوجته تُسرُّ برؤيتي ولا تردُّ لي طلبًا، وهناك ستذوق طعم الكدِّ الحقيقي، وعليكَ أن تجتهد!
التفتَ إليها، والشرر يتطاير من عينيه، وصاح بحدة:
- لن أكون أجيرًا عند حداد يقضي نهاره في صهر المعادن ليصوغ مناجل بائسة وحدوات للخيول! توقفي عن ذكر هذا لي، فلن أحبس نفسي في ورشة مظلمة.
اقتربتْ منه إتري مجددًا، وبحركة لعوبة دفعتْ كتفه بكتفها وهي تبتسم ابتسامة مريرة:
- إذن، ستبقى هنا، تزرع وتحصد وتشيخ والمنجل في يدك، هذا جزاء من يرفض ما بين يديه، إن الحقل لا يحابي المترددين.
ابتعد عنها بضع خطوات ضاحكًا، كأنما يفر من قدر تحاول رسمه له:
- لن أكون فلاحًا، ولا مساعد حداد! سأشق طريقي بنفسي، فلا تقحمي نفسكِ في شأني!
ثم تركتْ ضحكته وضحكتها تتبددا في نسيم المساء البارد وهي تهز رأسها بيأس، وقالت بنبرةٍ تحدَّت بها عناده:
- إذن اذهب وشقَّ طريقك، لكن لا تعد إليَّ باكيًا حين يوصد العالم أبوابه في وجهك، فإني أقسم لك أنني لن أسمح لك بالعودة للعمل معي في الحقل حينها، وسأتركك لغرورك يطعمك!
لم يكد زين يهمُّ بالرد ساخرًا حتى قبضتْ على ساعده فجأة، وكأن فكرة طارئة قد جاءتها، وتبدلتْ ملامحها المسترخية إلى حزم عملي جاد ثم قالت:
- كدتُ أنسى في غمرة هذيانك الذي لا ينتهي، لدينا ضيف مهم الليلة.
ثم انحنتْ تتناول مجموعة من الأغمار كانت قد أحكمتْ ربطها، ووضعتها فوق كتفه، ثم أخرجتْ من جيبها بضع قطع فضية مقوسة شحيحة وضعتها في كفه، وتابعت بتعليمات متلاحقة:
- بع هذه العقد في السوق، واحرص على ألا يغبنك التجار في ثمنها، ثم اشترِ لنا قطعة من اللحم، وعسلًا صافيًا، وابحث عن أعناب ناضجة، فضيفنا يستحقُّ أفضل ما في أمودال.
راود الفضول لسان زين ليعرف من يكون هذا الذي جعل إتري تفرط في فضتها وقمحها بهذه السخاء، لكنَّ النبرة الآمرة في صوتها لم تترك له مجالًا للحديث. أومأ برأسه موافقًا، فحثته بدفعة خفيفة على ظهره وهي تقول:
- استعجل خطاك، فالسوق لا ينتظر المتأخرين، والليل في أمودال يزحف أسرع مما تظن.
شد القمح فوق كتفه آنذاك، وابتعد عنها بخطوات واسعة مسرعة، مودعًا إياها برفع يده الأخرى في الهواء، بينما ظلتْ هي واقفة مكانها، تراقب طيفه وهو يذوب في عتمة الطريق المؤدي إلى قلب القرية.
كان عائدًا عبر أزقة القرية الضيقة، وخيوط الليل تنسج ظلالها خلف ظهره أسرع من أي يوم آخر، ترافقها حيرة وثقل خيبة في صدره فتضاهي ثقل الأغراض التي اشتراها، شريحة لحم تتأرجح ببرود في سلته، ووعاء عسل يفوح برائحة حلوة تذكره بمهامه المنزلية البائسة، حتى باغته خلال شعوره بالضيق صوتٌ مألوف اخترق سكون دربه، وقبل أن يرتد إليه بصره، شعر فورًا بذراع ثقيلة تطوق كتفه، وقوة غاشمة تهزه بمرح فتبهجه قليلًا كالمعتاد:
- أهذا هو فارس أمودال الذي يقاتل السنابل منذ الصباح؟ الآن تحمل العنب لأختك بدل أن تحمل السيف لميرنوفا؟
التفت زين ليرى وجه أطلس الذي لفحته شمس الطريق الطويلة، فحاول أن يعدل من ثقل سلته ومن مشيته، وهو يتابع السير بضيق مصطنع هذه المرة:
- لو تركتني إتري وشأني، لسبقتك إلى أسوار أوكولجارد يا أطلس، ولرأيت اسمي محفورًا على نصالها قبل اسمك.
سحب أطلس ذراعه حينها، وتقدم بزهو عنه خطوة سريعة، ثم شبك يديه خلف رأسه متمتمًا بسخرية لاذعة:
- إتري. أنت تحتمي خلف رداء أكثر نساء أمودال جمالًا وصلابة وتسمي ذلك خنقًا؟ ابتعد عن ظل اختك أولًا قبل أن تلومني على سبقك.
استفزه حديثه، فسرّع زين من خطاه حتى وازاه في الطريق، وغمزه بمكر طفولي ليرد له الصاع:
- الآن عرفتُ لماذا كنت تراقب الحقل منذ عودتك! ابتعد أنت عنها أولًا، فإتري لا تلتفت لمن يغبر ثيابه في طرقات ميرنوفا دون طائل.
ثم ضحك الاثنان، لكن ضحكة زين سرعان ما خبت حين تذكر ذلك السؤال، فخفف من سرعته، ونظر إلى أطلس بنظرة فاحصة، وسأل بنبرة جادة حاولتْ النفاذ خلف قناع المرح:
- إذن أخبرني بصدق، ماذا حدث في رحلتك؟ لماذا عدتَ بهذه السرعة؟
حينها تلاشت الابتسامة عن وجه أطلس فجأة، وكأن السؤال أصاب جرحًا لم يبرأ رغم طول المسير، ثم شد على شفتيه بغضة مكتومة، وأشاح بنظره نحو الأفق المظلم، وفجأة، كأنه يهرب من إجابته، صاح بصوتٍ عالٍ ممازحًا ليطرد هيبة الموقف:
- سمعتُ أن إليرا قد عادتْ إلى القرية اليوم، ولابد أنها في الحانة الآن تفرغ قصصها في رؤوس السكارى، ما رأيك أن نذهب لنجلس قرب الجدار الخارجي ونسترق السمع لبعض بطولاتها التي لا تنتهي؟
توقف زين حينها للحظة، نظر إلى أكياس اللحم والعسل في يده، وتخيل وجه إتري الصارم وهي تنتظره عند عتبة المنزل، وتذكر صلاتها الخائفة تحت ظل الضريح، كانت ستغضب، ربما تحرمه من طعام الغد حتى تحن عليه في المساء، لكن إليرا كانت بالنسبة له الحلم، في كل قصة كانت تحكيها كان يضع نفسه فيها وكأنه البطل، وكأنها التجسيد الحي لكل ما يحلم به، وكأن كل كلمة تخرج من فمها هي وقود يصبر روحه التي تخنقها أمودال بسكونها. قبض زين على السلة، وصارع ترددًا قصيرًا انتهى بلمحة عناد في عينيه، وأخبر نفسه وهو يميل بعينيه إلى الحانة الصاخبة: لن يهرب العنب على خلاف قصص إليرا التي تختفي مع حلول الصباح. ثم سار خلف صديقه، وخيوط الليل تنسج ظلالها خلف ظهره أسرع من أي يوم آخر، يرافقها حيرة وثقل خيبة في صدره تضاهي ثقل الأغراض التي اشتراها، متجاهلًا استعجال أخته، حاملًا معه حلم الحرب البعيدة التي كانت قد بدأت الراوية بذرها في هواء القرية.
اتكأ زين بظهره على الحجر البارد للجدار الخارجي للحانة، سلته في حجره يحاول حمياتها من زحام المارة، وأطلس بجانبه يرهف سمعه في شغفٍ لا يقل عن رفيقه، ومن النافذة المفتوحة فوقهما، ينبعث منها هدير صوت إليرا الجهوري، وتنساب الكلمات خارجًا عبره بصحبة رائحة النبيذ النتنة ودفء الموقد، وهي تقصُّ على مسامع الحاضرين ملحمتها الأخيرة:
- ... كان خنزيرًا وحشًا لم تره تارودانتوس قط، مسخًا ضخمًا لأهوال الغابة الغابرة، وعيناه، بل هما جمرتان مستعرتان تقدحان شررًا يحرق الأنفاس، أما أنيابه فهي تشق أصلب أنواع الصخر، نصالًا من الفولاذ المقدس، وقد جمعني القدر به وحيدة عند منحدر جبال أزكاغ، طاردني إلى هناك كأنه وعد موت، حتى التحم نصلي بأنيابه واندلعت الملحمة الطاحنة. زلزل زئيره أركان الجبل، وكاد بمخلبه أن يقتلع قلبي من بين ضلوعي، لكنه جهل مع من يعبث! وفي لحظة يائسة استحضرتُ غضب وحكمة الحسام، وبالرمق الأخير، غرزته بأكمله في نحره بكل ما أوتيت من قوة، فسقط الوحش، وسقطتُ معه أنزف فخرًا.
وفور ما أنهت سرد ملحمتها المزعومة حتى اخترق صوت أطلس الساخر الأجواء، ودون أن يترك للصمت مجالًا ليتسلل، قال بنبرة جهورية وجهها لزين وهو يشير برأسه نحو بقعة الضوء المنبعثة من الأعلى:
- انظر إليها! تزعم أنها خاضتْ معركة طاحنة، لكن ألقِ نظرة على درعها، يلمع كمرآة لم يمسسها غبار، لابد أنه كان خنزيرًا هزيلًا تسلّوا به عند الحدود ليطاردوا الملل، والآن تصنع منه أسطورة..
ولم يكد ينهي كلامه حتى أتاهما صوت ضحكة مصطنعة من فوق رأسيهما مباشرة، حادة وواثقة. رفع زين رأسه مرتعبًا، ليرى وجه إليرا يطلُّ من النافذة، متكئة على حافتها وممسكة بكأسٍ خشبي ضخم، كانت تحدق في أطلس بنظرة جمعتْ بين الاحتقار والمداعبة، وقالت بنبرة متهكمة:
- كنت سأبحث عن الأحمق الذي تجاسر على قولي، لكنه أطلس، لذا يبدو الأمر منطقيًا الآن. من يعجز عن بلوغ المجد، لا يملك إلا السخرية منه كنوع من الحسرة التي تنهش قلبه.
وقف أطلس في مكانه مغادرًا، وابتلع كلماته الساخرة وارتبك، بينما لم يستطع زين كبح ضحكة خافتة انطلقت منه وهو يرى وجه صديقه يكتسي بحمرة الخجل المباغت، وفجأة، بحركة لم يتوقعها أي منهما، وضعتْ إليرا قدميها فوق حافة النافذة، وبخفة قفزت من العلو لتهبط برباطة جأش مذهلة بينهما على الأرض الموحلة لتصد طريق أطلس، وذلك دون أن ينسكب من كأسها قطرة واحدة، ثم عدلتْ خصلات شعرها المتمردة بحركة سريعة من رأسها، ووقفتْ بظهر مفرود، بينما يلمع درعها تحت ضوء القمر الشاحب، ثم أكملتْ حديثها بلسان ساخر لا يرحم:
- لماذا تقتاتُ على الفتات تحت النوافذ؟ ألم تصبح فارسًا بعد؟ أم رفض مجلس تارودانتوس أحمقَ مثلك؟
ثم تحولتْ بنظرتها نحو زين، وتغيرتْ نبرتها قليلًا لتصبح أكثر حدة وفضولًا، تفحصته من أخمص قدميه حتى قمة رأسه، وقالت بنبرة حملت رنين مندهش:
- أخبرتني إتري أن القمح قد طال هذا العام، لكنها نسيت أن تخبرني أن أخاها طال معه لينافس السنابل. في آخر مرة رأيتك فيها يا زين كنت تختبئ خلف ظهر أختك خجلًا، فما الذي أخرجك اليوم لترافق هذا الأحمق؟
لم يحتمل أطلس نصل لسانها الحاد أكثر، فاستدار موليًا ظهره بضيق، غارسًا خطاه في عتمة الزقاق الموحل، رفعت حينها إليرا كأسها الخشبي نحو السماء، مادةً ذراعها حتى استطالتْ عضلاتها لتنال حافة النافذة المرتفعة بالكاد، ووضعته هناك باستقرار مذهل قبل أن تعدو خلفه، ولحق زين بهما بخطى مثقلة بسلته، وعندما غدت إليرا في محاذاة أطلس، انطفأت شعلة السخرية في عينيها، وحلت مكانها نبرة موجهة ومعلمة رصينة خبرت الدروب التي سلكها للتو، وقالت بجدية:
- كفَّ عن الهرب وأخبرني ما الذي أعادك من المعسكر؟ ماذا رأيت خلف تلك الأسوار؟
أرخى أطلس كتفيه قبل أن يجيبها، وبدتْ نبرته يائسة، مجردة من كل كبرياء ادعاه في الطريق والحانة، وقال وهو يحدق في قدميه:
- جيش الميرنوفيين في أوكولجارد صغير ونخبوي ومغلق، وقد رفضوا انضمامي ببرود رغم نجاحي في الاختبار، وأرادوا مني أن أكتفي بدور حامي حدود بائس هنا في القرية، تمامًا كما تفعلين أنتِ.
سكت قليلًا، ثم لوى رأسه باشمئزاز، وتابع بنبرة حاول أن يجعلها غير مبالية ليستر بها عار الرفض:
- ولست بنادم، معظم من رأيتهم يقاتلون بجانبنا لم يكونوا فرسانًا، بل مرتزقة من إلفيرا، حثالة من المجرمين واللصوص الذين لا همَّ لهم سوى الذهب. لا شرف في قتال يجمعني بهؤلاء، وكنتُ سأرفض الانضمام حتى لو توسلوا إليَّ، بل وجعلوني أفكر في الانضمام إلى نقابة المغامرين بجدية، هناك على الأقل لا يملي عليك أحد مع من تقاتل.
انتفض هنا زين من خلفهما، وخرج صوته واجفًا مشحونًا برعب استقاه من قصص العجائز:
- لكنهم سيرسلونك إلى داركونيا لقتال الشياطين يا أطلس! أليس هذا انتحارًا؟
التفتتْ إليه إليرا، وارتسمتْ على وجهها ابتسامة مريرة، وقالت بصوت لم يخلُ من هزء واقعي:
- بل هي خطوة جيدة لحالم مثله. هو لن يرى أميرة شياطين من داركونيا إلا في منامه، سيكون مجرد سياف سخيف يصطاد الأرانب المتوحشة على أطراف غابات أزكاغ مقابل بعض الفضة، يطارد الآفات لسنوات شبابه الضائعة حتى يستطيع بلوغ ذروة التصنيف الذهبي. بل في الواقع، هم الآن يوجهون كل المغامرين نحو شرق كاستيلار لسبب ما.
كسر أطلس حدة الحديث فجأة، ونظر نحو إليرا التي كانت قد تراجعتْ بضع خطوات بينما كانت تخاطب زين، وبدت ملامحه مشدودة، وقد طغى عليها مزيج من الغضب والازدراء، وكأنه ينفض عن كاهله غبار ميرنوفا ليعود إلى ضريح أمودال ومعتقداتها التي يراها تافهة ومريرة في آن واحد، وقال بصوت منخفض:
- شيخ القرية يتهامس مع الرجال منذ الصباح، يقول إن الأرض جادتْ بما لم تجد به من قبل، وأن الضريح بات يطالب بالمزيد، وأن هذا الحصاد الوفير سيلعن ما لم يُسقَ بدم قربان جديد.
توقفوا جميعًا عن السير في تلك اللحظة، واستدار أطلس محدقًا في عيني إليرا بعينين تشتعلان إنكارًا واستهجانًا لهذا الموقف:
- أخبريني بصدق يا إليرا، هل استدعاؤكِ إلى القرية كان لهذا الشأن؟
خيم حينها صمت ثقيل في المكان لم يقطعه سوى حفيف الأشجار، ولم تهتز ملامح إليرا بسؤاله، إلا أن نبرتها جاءت خافتة كنسيم المساء:
- ربما، لم يعلمني الشيخ بمراده بعد. وأنت تعلم، لا أحد يملك أن يرد طلب الضريح.
ثم أتبعت بتساؤل مرير كأنها تخاطب نفسها:
- لكن، ألم نقدم واحدًا قبل بضعة فصول، ألا يكفيه ذلك؟
لم يرد أطلس، شد على قبضته ومضى يطالع الطريق المظلم أمامه بكره واضح لهذه الطقوس، أما زين، فقد كان مشتتًا، لم يفهم من الحديث سوى كلمات مبهمة عن الشيخ والضريح، ولم تكن فكرة القربان في ذهنه تتجاوز قصصًا خرافية تحكى لترهيب الأطفال، ثم أخذ يطالع ظهر إليرا المدرع وكتفي أطلس المهزوزتين، حاملًا سلته، غافلًا تأخره عن أخته التي تنتظره في المنزل وذلك الضيف المهم. وقبل أن ينطق أحد كلمة أخرى، غادر أطلس بهدوء، رفع يده عاليًا دون أن يلتفت، وغاص في العتمة وحيدًا، بينما بقيت إليرا واقفة في مكانها، غارقة في شتات ذهنها، أما زين، فقد انتبه لنفسه فجأة وتأخر الوقت، فالتفت لإليرا التي كانت تطاله بنظرة لم تبن في هذا النور الشحيح، وقال بنبرة تغلب عليها القلق والتعجل:
- ستقتلني إتري حقًا لو تأخرتُ أكثر بهذه الأغراض، فالضيف قد يحضر في أي لحظة، ولن تغفر لي إهمالي. شكرًا للحديث معنا يا إليرا، أستعودين للحانة الآن؟
طالعته إليرا وارتسمت على وجهها تعابير محتارة، تمازجت فيها الدهشة بابتسامة بدأت تتشكل ببطء على شفتيها، ثم قالت بنبرة لعوبة:
- كنت أتوقع منك ترحيبًا أحرَّ من ذلك يا زين، ألم تسأل نفسك للآن لماذا توقفتُ تمامًا أمام باب منزلك؟
تسمر زين في مكانه، ودارت عيناه في المكان بذهول مباغت، ليدرك الحقيقة التي غابت عنه في زحام الحديث، لقد كانوا بالفعل عند حافة الحقل، قرب الباب الخشبي المتآكل لمنزلهما، وقد قطع الطريق كله دون أن يشعر بوقع خطاه. تركته إليرا في مكانه قبل أن ينطق بكلمة، وتقدمتْ بخطوات واثقة نحو الباب، طرقت عليه طرقتين خفيفتين، ثم استندت على جانبه تنتظر ببرود، وزين واقف بصمت في مكانه، وقد أصابته صدمة، الضيف المهم الذي كانت أخته تتحدث عنه منذ الصباح، واللحم الجيد والعسل الصافي، كل ذلك كان فقط لإليرا، بل بات يدرك الآن، بمرارة لا تخلو من الدهشة، لماذا تعمدت أخته إخفاء هوية الضيف عنه، هي لم تكن تريد منه أن يضيع في أحلام اليقظة قبل أن يؤدي مهامه.
فتحتْ إتري الباب بابتسامة حارة، وعناق استمر عدة لحظات قبل أن تهرب إليرا من قبضتها للداخل، بخطواتٍ واثقة كأنه كان دومًا بيتها، بينما وقفت إتري عند عتبة الباب، وظلها يمتد طويلًا فوق الأرض المتربة بفعل ضوء الشموع، يرى في عينيها لمعة عتاب صامت، ولم تنطق بكلمة وهي تشاهد اقتراب زين، الذي دخل خلفها برأس مطأطئٍ، مسلمًا سلته لأخته بما فيها من لحم وعسل كاعتذار على تأخره، وقد أخذت منه الأغراض ببرود، واختفت في زاوية المطبخ الصغيرة دون أن تنظر إليه، فأدرك أن صمتها ليس صفحًا، بل الهدوء الذي يسبق العاصفة، ولولا إليرا لكان صوت توبيخها قد ملأ أرجاء القرية.
تربع زين على الحصيرة أرضًا، يراقب إليرا التي بدأت بفك أحزمة درعها الجلدي، يركز سمعه على صرير الجلد واصطدام المعدن الخافت الخفيف وهي تضع قطعه جانبًا ببطء، ثم تمددتْ بجسدها المتعب كاشفة على ندوب كانت خير دليل على صدق قصصها في الحانة، وأطلقتْ تنهيدة طويلة أخرجت معها كل عناء السفر، وقد بدت له حينها مجرد امرأة أنهكتها الدروب لا فارسة أسطورية تقاتل الوحوش دون أن تجرح أو تجهد، إنسانة قد تبحث عن زاوية هادئة في لحظة ما. لم يمضِ وقت طويل حتى وضعتْ إتري الطعام على المائدة، تاشيشيت بالزعتر وكأس لبن، هي لم تنتظر حتى نضج اللحم الذي أحضره زين، فالتأخير كان قد أفسد خطتها الأصلية، لهذا ساد صمت ثقيل على تلك المائدة، يتجنب زين التقاء نظراته بنظرات اخته، وهو يشعر بثقل إهماله يضغط على صدره مانعًا إياه من تناول لقمة قبلها، ومنتظرًا العقاب الذي سيحل عليه فور رحيل ضيفهم، لكن إليرا، والتي تناولت ملعقتها الأولى وتذوقت الحساء، وبحركة مفاجئة، أغلقت عينيها مستمتعة وهتفت بصوت غلب عليه الحنين:
- إن مذاقه عظيم يا إتري. قد نسيتُ مذاق طعام القرية، إلا أن يدكِ لا تزال تحمل بركة الأرض. إن هذا الحساء أشهى من مآدب ميرنوفا أجمع.
بسماعها التفت زين نحو أخته بلمحة انتصار خفية، وكأنه يرسل لها برقية صامتة، وأدركت إتري مغزى نظرته، فابتسمت رغمًا عنها، ومدت يدها لتدفع كتفه بملاعبة رقيقة، وكأنها تخبره بلمستها أن العقاب قد أُرجى، أو ربما عُفي عنه، فضحك زين حينها بخفة، وشعر بألفة عزيزة تلف المكان، سيما أن يد أخته لا تزال تداعب شعره وكأنه الأهم على المائدة، حتى فجأة طُرق الباب فتلاشتْ الضحكة فورًا عن وجوههم، وكان طرقًا هادئًا رصينًا يحمل هيبة الغرباء الذين لا يطرقون عبثًا بشكل مريب، ما جعل الجميع يتوقف عن الحركة. ظلت ملعقة إليرا معلقة في الهواء، وتيبستْ ملامح إتري التي كانت تبتهج منذ ثوانٍ، وكأن إيقاع ذلك الطرق ووقت حضوره أخبرهم أن الطارق ما هو إلا نذير، وأن الليل حضر برفقته بكل ما يحمل من ظلمة. نهضتْ إتري ببطء، ممسكة بطرف ردائها، عيناها معلقتان بالقفل الخشبي للباب، بينما ظل زين في مكانه شاعرًا ببرودة مفاجئة تسري في عروقه فقط من ملامح الفتاتين التي تغيرتْ فجأة ووقفتهما الغريبة التي لا تخفي ارتجاف جسديهما، وبالرعب الذي سيطر على المكان.
انزلق القفل الخشبي في يد إتري، وانفتح الباب ببطء فكشف عن وقفة شيخ القرية المتصلبة، وكان يتلفع بعباءته السوداء التي بدت وكأنها نُسجت من عتمة الليل ذاتها، وكان يراقب زين يد أخته بقلق وهي تفلت مقبض الباب فجأة، ترتجف بعنف مبالغ فيه وكأن المقبض قد استحال قضيبًا من جليد، وفي تلك اللحظة عبرت عتبة الباب زفرة ريح باردة مفاجئة، حاملة معها برودة الأرض الجائعة، فتناولت أقرب شمعة من الباب دافعة إياه بعنف للداخل، فغرق الممر في ظلال مشوهة حجبت عنه رؤية ما يحدث هناك، وعندما اتسعت عينا زين مستكشفة، رأى حشدًا ضخمًا من رجال سود خلف ذلك العجوز، أطياف بلا عدد أو ملامح، وكأن القرية بأكملها قد انسلخت عن بيوتها لتقف على عتبة منزله، فتسارعت أنفاسه حتى كادت تمزق صدره، وشعر ببرودة الموت تنخر عظامه ببطء، التفت يمينًا ليبحث عن أمان أخته، ليصرخ باسمها، لكن إتري لم تكن هناك، لقد اختفت، تلاشت وكأنها لم توجد يومًا، وكأن الريح التي دخلت مع الشيخ قد سلب وجودها كالنور، فتملكه ذعر غريزي، واستدار نحو إليرا درعه الأخير، لكنه وجد ما هو أسوأ من فقدانه لأخته، رأى وجه الفارسة التي لا تقهر ممتلئًا بتعابير ذهول مضطربة، خوفًا حقيقيًا لم يره في قصصها أبدًا، وكانت تتراجع، خطوة خطوة، تنسحب بهدوء مريب من الممر، وكأنها تفسح الطريق للشيخ، وما رأه عجوزًا حينها، بل ملك موت لا يملك حتى الفولاذ المقدس نفعًا أمامه، عيناه تحدقان فيه بقوة سلبته روحه فورًا، جمدت أطرافه فوق الحصيرة حتى صار جزءًا من الأرض أو هكذا تمنى، ومع خطوة الشيخ الأولى للداخل، ثم الثانية، قادمًا إليه، متجاوزًا إليرا المنسحبة، عابرًا بهدوء، وكأن البيت لا حراس أو سكان، وحينها، رن صدى حديث أطلس في عقله: الضريح يطالب بدينه، الحصاد سيلعن ما لم يسق بدم جديد، وتذكر تلك الذراع التي سلبته أخته عند الغروب وهي تقبض على ظلهما، وكأنه لم يكن وهمًا، بل إشارة فريدة وسما بها، أن الضريح قد اختارهما دون غيرهما، وأن الوقت قد حان لنهاية القصة.