Ariatoon Logo
    الفصل0السبت، ١٣ سبتمبر ٢٠٢٥


    مقدمة: حديقة داركونيا

     

    آخر طيف حملته معي من عالمهم كان صورة زهرة فضية ترتعش على راحتها، دون أن تذرف دمعًا، فما عادتْ في المآقي دموع تكفي لرثاء النهايات، فقط عهد نُقش في سكون نظرتها الأخيرة يومها، وهمستُ لها راحلًا: سأعود حين ينجلي هذا الغسق. لم تكن كلماتي حينها رجاءً، بل يقين من ظنَّ أن لإرادته وحدها أن تفلق فجرًا في جوف ليل سرمدي. في تلك الأيام، كنت لا أزال أجهل ثمن الفجر، أما الآن، فالظلام له طعم وملمس، كالجنزار والندم، هواء لزج يغلف الرئة من الداخل مع كل شهقة، وقد انقضى متسع للعهود الهشة، فهنا، في رحم هذه الأرض الملعونة، لا تُصاغ الأساطير فحسب، بل تُطحن حتى تصير غبارًا تذروه رياح العدم إلى النسيان. الجبل المكسو بالفولاذ آخر من قضى نحبه، انتصب في فم الممر الضيق سدًا من إرادة ولحم، ودرعه الذي رُويت عنه الحكايات، لم يعد سوى خريطة من ثقوب يتدفق منها أجله، ورأيت المخلوقات المشوهة، تلك التي ولدت من أحلام الشياطين المريضة، تنهش أطرافه وهو لا يزال صامدًا، ثم اخترق نصل معقوف كتفه، فرأيت على وجهه ابتسامة لم أرَ مثلها قط، ابتسامة من دم وعظم متكسر، إصرار بشع من التحدي. هو لم ينظر خلفه ليرى خصمه الغادر، قد تعلمنا سابقًا أن الالتفات إلى الوراء خيانة لمن سقطوا كي نتقدم، أشبه بأن تبصق على دمائهم التي روت لك الدرب، لذا كل ما فعله هو أن زأر بصوت تحشرج فيه الموت: تقدم بمجدك أيها البطل! ولم ألتفت، واصلتُ المضي قدمًا، بينما كان دوي تهشم آخر قطعة من درعه يرسم خاتمة صداقتنا، لقد ابتاع لي بقلبه الذي توقف، بضع خفقات إضافية لقلبي.

    ثم، وقبل أن يبتلع الصمت اسم صرخة صقيع فورنهايم، كانت قد استحالتْ ضوءًا. غزلتْ تلك الساحرة ذات الأصابع النحيلة الطاقة كما لو كانت خيوط من القمر، وعندما حاصرنا سرب الظلال المجنحة عند الجسر العظمي، انطلقتْ صرختها الرقيقة حتى أمستْ تمزق نسيج الواقع نفسه، وأذكر كيف أغمضتْ عينيها تركيزًا، كيف كانت كلماتها الأخيرة وداعًا هادئًا لا عبارة تعويذة، ثم فتحتْ ذراعيها، فشعرتُ بروحها تنصهر في ومضة بيضاء أحرقتْ الظلام والجسر ونفسها، وعندما تقدمتُ لأحتضن رمادها، لم أجد منها سوى دفء خفيف لامس وجهي للحظة، ثم تلاشى، لقد شيدت لي طريقًا فوق الهاوية برماد روحها فقط، فمضيتُ عبره وحدي على هذا الطريق، أسير ممرات طويلة عتيقة شُيدت لتكون مقابر لنا نحن الأبطال، بصمت يتخلله همس خافت لحفيف أجنحة حشرات طهّرها نقاء روحها في حادثة مضى عليها الدهر كله، وكأن ضوءها استمر يرفعني في كل خطوة وبرفقته صدى من رحلوا معها، وكأن أرواحهم ما زالت ترافقني في هذه الرحلة حتى بات كل نفس أستنشقه من عبق داركونيا، عبق الفناء النقي لهذا الليل، يدًا جديدة تدفعني للأمام، حتى أصبح هذا الفناء يبدو لي الآن أكثر صدقًا من الحياة التي تركتها خلفي.

    كنا دومًا نقول إن الشرف في تأدية الواجب، لا في إطالة أمد الحياة نفسها، ولإيماني الراسخ بهذه الحكمة، سئمتُ زيف الحياة المغلف بالذهب والقداسة، ومقتُّ عالم البشر الرمادي المتعفن، ففي هذا الظلام المطلق، على الأقل، لا يوجد نفاق، الشر هنا لا يرتدي قناع الفضيلة، ولهذا بدتْ لي هذه المهمة الانتحارية هي الفعل الأنقى، أن أكون النصل الذي يستأصل الداء من جذوره. خرجتُ وأنا أتشبث بوهم واحد أخير، بسيط وواضح كحد سيفي الفضي، أن للشر قلبًا، وأن قلبه سينبض للمرة الأخيرة على طرف نصلي، وبذلك تنقضي هذه الحرب الأبدية، وأدركتُ منذ زمن أنني أسير نحو حتفي، لكنني آثرتُ أن أكون شهابًا يحترق في لحظة واحدة صادقة، على أن أكون شمعة تذوي ببطء في عالمهم المنافق. ورغم أن الإيمان قد يكون زادًا كافيًا للمضي في رحلة ما، إلا أن هذا الدرب تحديدًا قد فتَّ في عضدي، وحين أهمس لنفسي الآن بأن دماء رفاقي التي تخضبت بها يداي هي ما أجبرتني على الاستمرار، فهي كذبة نطقتْ بها روحي الواهنة، ما كان يدفعني حقًا لأغوص في هذه الصحراء اللامتناهية من الموت هو حقيقة أبسط وأشد رعبًا، أنه لم يعد هناك طريق أعرفه للعودة، إن السماء التي كنتُ أدعو إليها قد أوصدتْ أبوابها في وجهي، وأطبقتْ عليّ الظلمة فما عدتُ أهتدي سبيلًا، والهواء الذي كان يجلدني كعدو منذ أول خطوة، قرر الآن أن ينسحب كليًا، تاركًا رئتي تبحث عن نسمة في الفراغ ولو كانت خانقة، ثم شعرتُ بعضلات ساقيَّ تتمزق كخيوط بالية، لا من وهن جسد أو وخز ألم كان ضعفي، إنما انهدَّ فيّ عماد الإرادة، فبقيتُ خواءً يسري فيه الصقيع، ومع الخطوات القليلة التي استطعتُ بالكاد أن أخطوها لأرى ما الذي ينتظرني أعلى تلك التلة السوداء، رأيتُ جسدي ينهار، لكنَّ روحي كانت قد سبقته بخطوة، ثم تهاوتْ قواي على مهل، ومعها قلبي الذي أسلم الروح بهدوء، خائبًا ظن أولئك الذين راهنوا على بطولته، وبقدر ما كان استسلامه هادئًا، كان احتقاري له صاخبًا في داخلي، وكذلك احتقاري لهذا الجسد الذي خان الوهم الأخير. وفي خضم هذا الانهيار التام، تحرك شيء لم يخضع لمنطقي اليائس، بعناد بدائي أجهله، قد أبتْ ذراعاي الموت، وشرعتا في الزحف حين تسمرت قدماي في الأرض، كانتا تجران هذا الجسد عنوة صوب قمة التلة، وكأن فيهما يقينًا غريزيًا بأن هناك، في الأعلى، يكمن ما قد يقلب هذا المصير، أو على الأقل، يؤجل نهايته الحتمية، ولعل الإصغاء لهذا اليقين الأعمى، كان صوابي الوحيد والأخير، وبآخر حركة تبقت لي في ذلك اليوم من مآسي الرحلة، انتشلتُ رأسي من طين اليأس لأواجه السماء، فباغتني من حيث لا أحتسب شعاع أغرق سواد مقلتيّ، وكان أصفى من أن يكون حقيقة، وأحنّ من أن يكون خيالًا، حتى إنني أطبقتُ جفني عليه بقوة ثم فتحته، لا لأستيقن من وجوده، بل لأشهد على فنائه المتوقع، فما عهدتُ البهاء في دربي إلا طيفًا عابرًا، لكنّ الضياء ثبُت، بغير اكتراث ليأسي، كأنه الحقيقة الوحيدة في كون من الزيف. أنّى للشمس أن تتجاسر فتشرق فوق أرض داركونيا، وقد أقسم الظلام أن تكون له وحده؟!

    اعتمدتُ على مرفقيّ لأنتشل جذعي الواهن، فإذا بالمشهد أمامي يشلّني ذهولًا، لم يكن شعاع الشمس وحده ما نكث بعهد الخراب هنا، بل تجلّتْ أمامي حديقة يستحيل على العقل تصورها، ألوانها أشدّ صخبًا بالحياة من أساطير الرهبان الخالدة، وجدولها النقي يهمس بلحن لم تألفه أذناي قط، بينما حمل إليّ النسيم عبق ثرىً نديّ وأزاهير لم تخطر لي ببال، وأنا، بعدما صقلتني دهور من مقارعة الظلام والرماد، وقفتُ أعزلًا تمامًا أمام هذا السحر، لبرهة خاطفة، أيقنتُ أني فارقتُ الحياة، وأن ما أراه الآن هو جنة الغافلين، أو ربما آخر مكائد الشياطين وأمكرها. وفي قلب تلك الجنة الإعجازية، كانت واقفة خلاها وكأنها النجم الوحيد الذي هوى من كبد السماء، ليؤسس ملكوته في جوف الجحيم، ومن عليائي ذاك، لاح خلفها صرح أمنع من قلاع كاستيلار، وأبهر من هياكل إلفيرا بهاءً وزخرفًا، عندها صعقني السؤال، أمِنْ هذا الجمال المطلق تُسيّر جحافل الدمار إلى أرضنا؟ أهذا الفردوس المنكر هو نفسه عرش الظلام الذي أقسمت على سحقه؟

    تبدد حينها الضباب من أمام بصيرتي، إن تلك الشمس لم تكن فجرًا للخلاص، وذلك النقاء الذي يشع من قسمات تلك الملكة، ومن حجارة قصرها، ومن أزهار جنتها، ما هو إلا القناع الذهبي الذي يرتديه الشر الأعظم، وإن الفساد الحقيقي ليس القبح الذي يفرّ منه البصر، بل الكمال الذي يُعمي البصيرة، ولم يعد هذا المكان غاية رحلتي فحسب، بل غدا هدفي، وإن الفجر الذي سعيتُ إليه، لم آتِ لأشهده حلمًا، بل لأصنعه من رماد هذا الفردوس الزائف. بقوة هذا الإدراك المرير نهضت، وبضرام قسمي الذي تجدد في روحي، توقفتُ عن الزحف نحو حتفي، كنت أسير بخطىً ثابتة نحو غايتي، لأطفئ هذه الشمس إلى الأبد، رفعتُ الحسام مغمدًا، وما كان ذلك سلًّا لسيف، فقط طقسًا أخيرًا يقام على مذبح القشيبة، ثم بخطىً وئيدة لم تعرف للتردد سبيلًا، دُست أديم الفردوس، فسمعت تحت نعلي الفولاذي تهشم أعناق الألوان وهي تلفظ عطرها الأخير، كان ذاك إعلاني، بصمة الفناء التي أبصمُ بها على طُهر هذا الزيف، وحين عانق ساعدي عنان السماء، حررتُ النصل من أسره، فأطلق صليلًا فضيًا مزَّق وشاح الصمت، لحنًا نشازًا في حضرة ذاك الجمال، أما الغمد، فقد نبذته عني بازدراء، فهو عهد بالعودة، وأنا ما جئتُ لأعود.

    ولسداد آخر دين في حياتي، امتدتْ يدي إلى صدري، إلى الشاهد المتبقي على أخوة مضت، إلى قلادة تميمة الرتبة البلّورية، ثم أطبقتُ عليها بقبضة لا تعرف الرحمة، فشعرتُ بحوافها المعدنية تنغرس في لحمي، وبينما راحتْ شمس الفردوس المستحيلة ترقص على أوجهها المصقولة، ومن دون أن أتردد، اجتثثتها من عنقي، فخرشتْ سلسلتها الباردة رقبتي، ثم فتّتُّ البلّورة في راحتي، فانساب بين أصابعي لجّ أزرق، كأنما هو دم حياة خبا بريقها منذ الأزل، وراح يلطخ طهر العشب بسقوطه، وكان ذاك هو الجوهر، خلاصة قوة منحتُها لهذه الخاتمة، وبشفتين متشققتين لفظتُ التعويذة:

    -          بجلال من فطر الماء من رحم العدم، استنزل على هذا الجسد قوة يكون بها النصر المبين.

    وبها سرى في أوصالي صقيع يغلي، وتوهجتْ عروقي بنور حارق محا من جسدي كل أثر للألم أو الوهن، ليحلّ مكانه جبروتًا مستعارًا يهشّم الوعاء الذي حلّ فيه، وتخضخض كياني بأسره تحت وطأة ذاك السيل من القوة الذي لم يُجعل لفانٍ أن يحمله، فانفجرتْ في مقلتيّ ينابيع الدم، وغرق العالم أمامي في مدّ قرمزي. أبصرتها حينئذ، انتصبتْ قامتها في شموخ ملكي، وقد تخلتْ عن إبريق فضي استحال ذرّات من ضوء ورجع إلى العدم الذي جاء منه، ثم رمقتني بعينين لم يكن فيهما إلا صقيع الأزل، نظرة مرء يراقب احتضار فراشة حول الضوء، ولم يكن في نظرتها حنقًا ولا دهشة، فقط هدوءًا مطلقًا وهي تتأمل جسدي يرتجف تحت وطأة قوة مستعارة، كأنما كنت شذذًا في ناموس كونها، أو زوبعة قدّر لها أن تخبو على أعتاب خلودها، ومع كل خطوة كنت أخطوها نحوها، كان الفردوس من حولي يزداد بهاءً ونقاءً، حتى فاق في جماله أبهى وعود البشر، إلا أن ضرام الغضب وثقل الواجب قد أغْمدا بصيرتي في غلالة من نار، فما عدت أرى من الكون إلا هي، كانت هي الغاية، والقدر، والخطيئة التي وجب أن تُستأصل، وقبل أن أطلق زئيري الأخير، بغتة، جمد الهواء في صدري، وختم الرحيق رئتيّ وأجهز على نبضي، فأسلم العالم روحه، وفي اللحظة التي سبقتْ التهام الظلمة الأزلية لكياني، رأيتها، ابتسامة خفيفة أشرقت على ثغرها، ابتسامة ما كان فيها ظفر المنتصر ولا ازدراء القوي، بل ومضة من شيء أعمق، شيء لا اسم له إلا الإشفاق الفخور.

    تسرب إليّ الوعي كما يتسرب الماء في رمل عطش، ومن دون إحساس بالألم، فقط بلمسة حانية خلف رأسي، وملمس الحرير لندى العشب تحت كتفي، ثم ترقرق النور على أجفاني المثقلة، وما كان وهج شمس داركونيا الزائف، بل ضياءً حقيقيًا له حنان الفضاء، فأزحتُ عن عينيّ ثقل الموت ببطء، لتستقبلني خيمة زرقاء من اللازورد لا نهاية لاتساعها. ولبرهة ضلتْ روحي طريقها، أين الظلمة؟ أين عبق الجنزار والندم؟ ثم بحركة خشنة أدرتُ عنقي، فجرى في عروقي صقيع الإدراك، ما كان مسكني صخرة قاسية أو وحلًا باردًا، بل حجرها، كنت أرقب ملكوت السماء من حضن الخطيئة التي أقسمتُ على محوها. تصلبتْ أوصالي ونزف الدفء من أطرافي، بينما كانت هي ساكنة كتمثال من حجر، ترنو ببصرها إلى ذات الزرقة الشاسعة، كأن رأسي المستكين في حجرها لم يكن إلا زهرة في حديقتها الأبدية.

    قذفتُ بجسدي إلى الأعلى بنهضة فجائية، ورسخت قدماي في الأرض كأنهما جبلان، بلا أثر لذاك الوهن الذي فلّ حدي، وتفحصتُ كفيّ، ثم جسدي، فلم أجد خدشًا واحدًا، لقد تلاشتْ الجراح، وتبخر الإنهاك، وغمرتني عافية مريبة لم أعهدها قط، عافية دمية أعيد تجميع أوصالها، لا حرارة فيها للحياة، فقط صلابة شيء صنع ليقف من جديد. وما إن استقمتُ واقفًا، حتى انسابتْ هي صعودًا في حركة واحدة لا وزن لها، وقفتْ قبالتي، وأخذتْ تمسح عن ثوبها الأسود البسيط أثر العشب بإيماءة لا تحمل في ذاتها معنى، لكنها طعنت كبريائي كألف نصل، كأن الرمل على ثوبها أعظم مني خطرًا. أجلتُ بصري حولي، فإذا بالقصر قد تبخر، والتلة قد ذابتْ، ولم يبقَ من داركونيا إلا ذكرى باهتة، كنا نقف في قلب سهل سرمدي من أزهار الزنبق، يتلألأ بياضها وحمرتها تحت قبة سماوية لا تعرف الغروب، وهنا أدركت، ما عدت في أرض الأحياء أو الأموات، لقد غدوت سجينا في كون خلقته هي، أسيرا في فكرة من أفكارها، فانطفأ فيّ الذهول كما تنطفئ الشمعة، ليشرق مكانه غضب صاف كحد السيف، فالتفتُ إليها، وبصوت لم تهزّه رجفة واحدة، سألتها:

    -          أي ضرورة دفعتك لتفطري كونا كهذا من أجلي؟

    وعوض أن يأتيني الجواب من شفتيها، بعثتْ إلي بسمة خفيفة وذاك الفراغ بيننا، ومن جوف العدم، تخلّق في راحتيها سيفان لا زخرف عليهما ولا بريق، مجرّدين من كل شيء إلا الغاية، كانت تلك لغتها، وإجابتها التي لن تقال. غصتُ ببصري في عينيها، أبحث فيهما عن كلمة، فلم أجد إلا صمتًا أزليًا نقش في رأسي شروط هذا النزال، فكان صمتي جوابًا على صمتها، وكان ذاك هو الميثاق الأول بيننا، أرسلتْ أحدهما إليّ في الهواء، فاستقر في يدي وكأنه يعرف طريقه، تحسستُ شفرته الباردة بإبهامي، ثم أدرته في الهواء لأستجلي وزنه وإيقاعه، فشعرتُ به امتدادًا لإرادتي، كأنه صنع من أجل يدي وحدها، ثم رفعتُ بصري إليها، وقد أحكمتْ قبضتها على سيفها، وفي تلك اللحظة عينها، ودونما إنذار، ابتدأ النزال. أطلقتُ العنان لغضبي، فانفجر جسدي حركة إلى الأمام، طعنة جمعتْ كل صوت في قلبي، فكانت سهمًا صوب قلب الخطيئة نفسها، لكنها تلاشتْ من أمام نصلي، لم تبتعد، بل انسابتْ جانبًا كماء يفسح الطريق لصخرة، فدرتُ على عقبيَّ بحركة قاطعة، راسمًا بسيفي قوسًا أفقيا، فما كان منها إلا أن تمايلتْ للخلف خطوة يتيمة، فمر نصل الموت على بعد أنملة من ثوبها. كانت تطوف حولي في دوائر وئيدة، كمبارز هادئ يترقب ثغرة، وأنا أزئر مطلقًا عاصفة من الضربات، شلالًا من الهجمات كان ليحطم أي درع، لكنها تستقبل كل ضربة بلمسة خفيفة من حسامها، لا تصدّها، بل تراقصها، تغيّر وجهتها، وتفرغ كل ذاك الجبروت في الفراغ، بينما كان الفولاذ يغني لحنه الحاد، انساب صوتها الهادئ إلى روحي:

    -          أتيت لقتل ملك؟ ما تبحث عنه ليس إلا كبش فداء تحمله مآسي كونًا بأسره، لتنال الخلاص بوخزة سيف وتنام قرير العين. يا لسذاجة الأبطال!

    أعمتني كلماتها، فكان اندفاعي التالي ضريرًا، عصف بالكتف والجسد معًا، لكنها لم تتراجع هذه المرة، بل دارتْ معي، كأنها محور العاصفة، وفي اللحظة التي اختل فيها كياني، تدفقتْ كالنهر حولي، وشعرتُ بلمسة باردة كالثلج على معصمي، ثم لم يعد السيف في يدي.

    -          لا عرش هنا لتسقطه. الملك الذي تسعى إليه هو ذاك الجوع الأزلي القابع فينا، فهل أتيت حقا لتشهر سيفك في وجه غريزة فطرنا عليها؟

    وقفتُ هناك، خاوي اليدين، لاهثًا، والغضب وحده يملأ فراغي، أما هي، فواقفة كما كانت، والسكينة تكسو ملامحها، كأنها لم تزح سيفًا من يدي، بل نفضتْ غبارًا عن كتفها، واستطاعتْ قول ما في قلبها. لملمتُ سيفي من بين الزهور، وشعرتُ ببركان من غيظ وإذلال يثور في عروقي، فكان هجومي هذه المرة إعصارًا أعمى من نصال تخليتُ فيها عن كل أصول القتال، تحمل ثقل الأرواح التي أزهقتْ في سبيلي، وهي كانت لا تزال ترقص بعيدًا عن متناول يدي، لكن رقصتها فقدتْ شيئا من هدوئها الأزلي، وباتَ صليل نصلها أعلى، أشد إلحاحًا، وعاد صوتها هادئًا وحادًا كحافة سيفها، يجز روحي مع كل ضربة طائشة:

    -          وقفتَ في حديقتي، محاطًا بجمال لم يحلم به كونك المحتضر، وتجرؤ على تسميتي بالشر؟ الشر هو ذاك الجهل المقدس الذي قادك إلى هنا، الوهم البسيط الذي ارتويتَ به، وهو ذاته الذي سقى رفاقكَ كأس الموت بلا ثمن.

    ثم كل ما استطاعتْ حنجرتي أن تصرخه حينها كان كلمة اخرسي! واندفعتُ بضربة عمودية أخيرة صببتُ فيها كل ما تبقى من كياني، لكنها هذه المرة لم تتلاش من أمامها، استقبلتْ غضبي بصمت، وللحظة، تجمد الزمن عند نقطة التقاء النصلين، وشعرتُ بمقاومة صلدة، ثم جرى نصلها حول سيفي كثعبان فضي، مستغلًا كل ذرة من اندفاعي الأعمى ليقلبها ضدي، طاقة لا يمكن عكسها، فاختل عالمي، وهويتُ على ظهري كشجرة اجتثتْ من جذورها، بينما وقفت قربي، يغرقني ظلها في ظلمة أشد من ظلمة داركونيا، واستقر طرف نصلها البارد على حنجرتي، كقبلة الموت الهادئة.

    استويتُ قائمًا على مهل، وانطفأ فيّ كل شيء، الغضب والأمل، وحتى الرغبة في النجاة، لم يبق بداخلي سوى خواء بارد ويقين أخير مرير، وأدركتُ متأخرًا أن هذا النزال لم يقدّر له أن يكسب بالحديد، بل بالكلمات، لذا رفعتُ حسامي للمرة الأخيرة ليكون شاهدًا على نهايتي، وقد رأيتُ ومضة الدهشة في عينيها حين اتخذتُ وضعية الدفاع. تقدمتْ بحذر، فبدأ بيننا نزال من نوع آخر، رقصة بطيئة من شرارة التقاء الفولاذ، كنتُ أصد ضرباتها الهادئة، بينما راح صوتي ينساب مطمئنًا حاسمًا، صوت رجل يلقي بشهادته الأخيرة أمام الموت:

    -          إذن لا يوجد ملك هنا؟ قد كانت الأسطورة أكثر بساطة مما توقعناها، وأشد رحمة في حقيقتها، فقط نسجوا لنا وهمًا جميلًا بصيغتها تلك.

    انطلقتْ كلماتي مع ضربة جانبية مباغتة، صدّتها بهدوء، إلا أن صوت التقاء المعدنين كان كعلامة ترقيم تؤكد كلامي، ثم بادرتْ هي بالهجوم، طعنة سريعة كانت بمثابة ردها الصامت تفاديتها بحركة انسيابية لم أستعملها يومًا في معركة، وكأن روحي المحطمة قد تحررتْ من ثقل العضلات، ومع تفاديها، أطلقتُ شهادتي الثانية:

    -          وأتتهمين موتهم بالوهم؟ وإن صح، فقد عانقوا الموت وفي صدورهم وهم نبيل، وهم عالم كان يمكن أن يكون.

    شعرتُ بحدة هجومها تتزايد، وتحولتْ ضرباتها من أسئلة إلى اتهامات، ومع كل صدّة من سيفي المتشقق، كنتُ ألقي عليها بحقيقة أخرى، رافعًا صوتي ليعلو على الصليل المتصاعد:

    -          ولا تتهمي جهلي بقتلهم، بل جنتك هي القاتل! هذا النقاء الزائف هو الطعم، وهذا الجمال الملعون هو الفخ الذي استدرج أطهر الأرواح إلى مذبحها.

    وهنا، بلغ النزال ذروته، وأصبح رقصة محمومة تتردد بسببه بتلات الأزهار تحت أقدامنا، وفي لحظة التحم فيها نصلانا، وقصرتْ المسافة بيننا حتى لم يعد يفصلنا إلا بضع أنامل، حدقتُ في عينيها مباشرة وسلمتُ بآخر عبارة في وجهها:

    -          ولا تحدثيني عن الحقيقة، وأنت التي لم تعرفي لها ثمنًا قط! أي شيء تعرفينه عن التضحية وقد ولدتِ على قمة الوجود، ولم تدفعي ثمن خلودك بدمعة أو قطرة دم.

    وهنا، رأيته للمرة الأولى، شرخًا دقيقًا في جليد هدوئها الأبدي، ومضة تردد هزّت عينيها، فكان اندفاعي، ولم يكن اندفاعًا جسد يسعى للنصر، بل صرخة روح محطمة تقبل الفناء، وتفاجأتْ بحق، وتراجعتْ خطوة كانت هي كل ما يفصل بين خلودها والفناء، ثم تجمد كل شيء وسيفي مستقر على بعد أنملة من قلبها الساكن، لكن ذلك النصر كان طعمه كالرماد، شعرتُ به في اللحظة التي ترددتْ فيها، ما كان هذا انتصاري، بل كان سماحة منها، منحة أخيرة مهينة أنزل فيها سيفي ببطء، وأسلّم خلالها جسدي لثقل الإرهاق المطلق، نظرتُ في عينيها، وقد ذاب الصقيع الأزلي عن بصرها، لتشرق فيهما تلك الومضة التي لا اسم لها إلا الإشفاق الفخور، وقلتُ:

    -          امضي بي إلى مصيري، ولستُ بنادم. هيا، أنهي القصة.

    مقدمة: حديقة داركونيا
    التعليقات
    تحميل...